مساحة إعلانية
كان مساء الخميس الثالث والعشرين من أبريل 2026م مساء حزينا ،اتصال من القاهرة الصديق الشاعر والكاتب الصحفي مصطفي عبادة يسألني عما حدث لأشرف البولاقي ،فقلت له انه علي مايرام وقد هاتفته في الحادية والنصف صباحا لأطمئن عليه وندردش كعادتنا، فأصر علي ان اتصل بأصدقائي في قنا لأعرف ماذا يحدث ؟، تليفون الشاعر امبارك ابراهيم مغلق، لم استطع ان اتصل بالشاعر فتحي عبد السميع في هذا الوقت لظروفه الخاصة، اتصلت بالصديق الشاعر مصطفي جوهر فوجدته اسفل منزل البولاقي منهارا وصوت صراخ جعلني اسقط علي اقرب مقعد والدنيا تدور حولي وتظلم، كان الخبر صادما وموجعا، ابلغت مصطفي الذي اعرف مدي علاقته وصداقته به منذ سنوات طويلة، والذي كان معه منذ فترة وجيزة برفقة الصديق والكاتب الصحفي اسحاق روحي، وما كدت- غير مصدق - استوعب ما حدث حتي وجدت اسحاق روحي علي الهاتف يصرخ كالمجنون “إزاي يموت، انت مش لسه الصبح باقولك تليفونك مشغول مع مين قلت مع البولاقي وهو بيسلم عليك “، دموع الرجال علي رجل مثل أشرف البولاقي لها طعم الحنظل، لهيب الذكريات نار حارقة. إلي متي ستظل تفجعنا أيها الموت في أغلي الأحباب، إلي متي ستظل تحصد أرواحا محبة وقلوب صافية نقية وعقول مفكرة مستنيرة ،عاشت تتأمل في فلسفة الوجود ،عاشقة للجمال والحب والحرية، قناديل تضيء لنا الطريق، وتفتح لنا سماوات رحبة لكل ما هو مبدع وجميل، تنذر حياتها لمحاربة الجهل والتخلف والقبح والفساد ؟! عشرات الأسئلة تفتك بالعقل وتطلق كل سهامها في صميم القلب الذي ما عاد يحتمل تلك الطعنات .إذن رحل اشرف البولاقي وعلينا ان نصدق، فالموت هو الحقيقة الوحيدة في الوجود ،كتب علينا الحزن ،فارقنا الأحباب الذين طالما دعمونا وشجعونا واهتموا بنا ، وكانوا يحزنون لأحزاننا ويفرحون لأفراحنا، اصدقاء الزمن الجميل ، زمن التسامح والمحبة والعطاء، فمن لم يتعرف علي اشرف البولاقي فقد فاته الكثير، النبع الصافي ، الشجرة التي كانت تظلل علي حياتنا الثقافية والابداعية، الإنسان بكل ما تحمل الانسانية من معنى، رحل البولاقي الذي ملأ ندواتنا وأمسياتنا ومهرجاناتنا بشتي صنوف الإبداع “ شعر قصه رواية فلكلور شعبي دراسات نقدية أبحاث وكتب فكرية” رحل الذي تعلمنا منه كيف يكون العطاء دون انتظار مقابل ،وكيف يعيش الإنسان معتزا بذاته ،وكيف يكون الصديق صديقا ؟،لم اندهش من مظاهر الحزن علي فراقه لمن عرفه منذ سنوات ،ولمن عرفه منذ فترة قصيرة ،لمن قابلة وتعامل معه، ولمن تعرف عليه من خلال ابداعاته أو من خلال العالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي، لم اندهش من حسابات الكتاب والمبدعين التي تحولت لسرادق عزاء كبير ،ومحبة صادقة ،لأنني علي يقين من ان علاقته وتواصله واهتمامه بي ، هي ذات الطريق التي سلكها اشرف البولاقي وجعلها منهجا لحياته تجاه الآخرين، خسرنا برحيله صديقا غاليا ، وخسرت الثقافة والإبداع مفكرا جميلا في زمن القبح ، وإنسانا رقيق المشاعر ، في زمن كثرت فيه القلوب المتحجرة ، وعقلا متأملا مستنيرا ، كثر فيه الجهل والغباء ،لا اعرف ماذا أقول سوي إنا لله وإنا إليه راجعون ،وانت أيها البولاقي الجميل كنت من السابقين ، ونحن سنكون من اللاحقين ، فلترقد روحك في سلام إلي ان نلقاك ونلقي بقية الأحباب، وكن علي يقين يا صديقي ان الشطرة الشعرية المدونة بجانب اسمك في مكتبك “تنسي وكأنك لم تكن” لن تتحقق ، لأنك ستظل باقيا في قلوبنا ، وكل حرف جادت به قريحتك وخطه قلمك سيثري مكتباتنا ، وسيكون نبراسا لنا ولأجيال كثيرة قادمة.