مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الشاعر الدكتور مصطفي رجب يكتب : اللوم والتثريب في واقعة التسريب !!

2026-07-21 07:58 AM  - 
الشاعر الدكتور مصطفي رجب يكتب : اللوم والتثريب في واقعة التسريب !!
الشاعر الدكتور مصطفي رجب

حدثنا أبو دجاجة بن ديك بن فروجة الرومي عن أبي بصلة بن سلصة بن قوطة المعروف بالذبيح قال : زرت أصبهان عام ستة وستمائة لآخذ العلم عن مشاهير علمائها ، وأتلقى الإجازات عن جِلَّة من كبار مشيختها ، فلقيت هناك أبا الفرج البهلواني المعروف بظرفه ولطفه ، وأقمنا مع عدد من طلاب العلم في خان نظيف يقال له (هوليداي إن ) قريب من مساكن الجن ، في واد من وديان أصبهان البديعة ، لم يجدوا له اسما فلقبوه بـ " شرق التفريعة " .!!
وطاب لنا هناك المقام ، نتلقى النحو والصرف وعلم الكلام ، واللغة والعروض على شيوخنا وجه النهار ، فإذا جننا الليل طابت أوقاتنا بالسهر، وأذهبنا عن أنفسنا العناء بالضحك والسمر، وذات ليلة طلبنا من أبي الفرج أن يقص علينا من غرائب تلك البلدان ، ما تطرب له النفوس فتنسى الغربة والأحزان ، فقال :
" جرت كائنة من الغرائب في عهد مولانا الوزير الشريف بن اسماعيل المراجيحي الملقب بالنبيه ، فقد كان الطلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في بلاد سيحان وجيحان ، فجاءهم في كل مقرر سؤالان وجيهان ، عجز عن حلهما الأحمران والأخضران والأبيضان والأسودان ، والقائمان والنائمان ، ولم يبق في عموم القطر رجلٌ له ابن يمتحن إلا فقد بصره وطلق امرأته وأدمن الأفيون ، أو دخل السجون .
وواضعو هذه الامتحانات في تلك البلاد ، يبغضهم العباد ، فهم قوم غلاظ شداد ، فى غلظ الجاموس ، قصيرة قوائمهم ، لهم أخفاف ثقال ، وهم فى ألوان الخيل ولكل منهم أنف كأنف أبي ذؤابة، وأذنان صغيرتان كأذني الخيل ولبعضهم ذيل مثل ذيل الجاموس ، ولبعضهم صهيل كالخيل ، ولبعضهم شحيج كالبغال ، ولبعضهم أنياب كأنياب السباع ، ولبعضهم حافر مشقوق كحافر البقر ، وإذا ظفر واحد منهم بتلميذ أو بولي أمر تلميذ في مكان آمن ، فإنه يأكله ، وإذا ظهر أولئك الممتحِِنون ( بكسر الحاء ) للناس في وضح النهار، يحصل منهم الضرر الشامل لأهل النواحي ، فهم يرعون الزروع فإذا حصل منهم ضرر، ولازموا تلك الجهات يطرح لهم أهل القرى شيئا من الترمس في الموضع الذي يظهرون منه فيأكله أحدهم ويعود الى بيته فاذا شرب ماء ، ربا ذلك الترمس فى جوفه فينتفخ فيموت .
ولهؤلاء الممتحنين صنمٌ نظيفٌ لطيفٌ يعبدونه يسمونه ( الكونت- رول ) ويعرف بأبي الهول لا يظهر منه سوى رأسه ، وبقيته مدفونة فى زكيبة من زكائب الفرنجة يقال لها البدلة عند أهل مصر والشام ، ويقال طوله سبعون ذراعا وفى وجهه دهان يلمع له رونق كأنه يضحك تبسما ،ومخه من الصوان المانع ويقولون إنه طلسم بمنع الماء عن بر مصر.
ومن العجائب أن في تلك البلاد ضيعة يقال لها ( شفافية ) بها عمود من نحاس أصفر وعليه صفة طائر من نحاس فإذا كانت ليلة اليوم الأول لامتحان الثانوية العامة نشر ذلك الطائر جناحيه ومد منقاره فيفيض منه ماء يعم تلك البلاد ويسقي زروعهم وبساتينهم ويملأ صهاريجهم وذلك يكفيهم من العام إلى العام وهذا دأب ذلك الطائر في كل سنة .
ومن أعجب العجائب أن حكيما من الحكماء في بعض مدائنهم صنع حوضا من رخام أبيض وعليه كتابة بالقلم القديم فيجتمع أهل تلك المدينة ويأتي كل منهم بسؤال من أسئلة الامتحان فيضعه في ذلك الحوض فتختلط الأسئلة كلها بعضها ببعض حتى تصير شيئا واحدا ثم يقف الساقي على ذلك الحوض ويسقى فلا يطلع لكل واحد في قدحه الا ورقة مجابة مدققة مراجَعة مصورة في أحسن صورة .
قلت لصاحبي : فما الذي يضير الإعلام المريض في بلادكم من تفريج الكرب عن الممتحَنين – بفتح الحاء – من الصغار الأبرياء من الطلاب؟ أوليس الامتحان من المحنة ، والمحنة شدة ، والشدة كرب ،والمعروف لنا أن من فرّج عن مؤمن كربة من كربات الدنيا نال أجرا عظيما ؟
قال صاحبي : اعلم يا ابن رجب ، أن تسريب الامتحانات على هذا النحو بابٌ من العجبْ ، فهو يجعل من العملية التربوية نوعاً من اللهو واللعب .
قلت لصاحبي : أوليست الحياة الدنيا كلها – بنصوص شرعية – لهوا ولعبا ؟
أو ليس التعاون على تجاوز محنة الامتحان بابا عظيما من أبواب التعاون على البر والتكافل وسد حاجة المحتاج وإغائة الملهوف وإعانة المضطر ، وكلها – كما ترى – من [المروءات !! ] التي يمارسها الكبار في الانتخابات العامة ؟ ، والصفقات الكبرى ، ويفعلها بعض سفهاء أساتذة الجامعات مع أبنائهم ، أفلا تدركنا الرجولة والحزم والانضباط إلا مع أولئك العصافير الصغار من طلاب الثانوية الأبرياء ؟ أهنا فقط يحرم التسامح ويحل الحل كله يوم الانتخابات والاستفساءات ؟
قال : بلى ، ولكن هذا امتحان ينبغي أن تشد له الشدائد من عزائم الرجال .
قلت له مازحا : أي رجال يا أبا دجاجة ؟ أهم أولئك الذين يسرّبون آلاف الشباب العاطلين عبر البحر فرارا من الجوع والتعطل فإذا غرقوا أفتى العلماء الأجلاء بأنهم ليسوا شهداء لأنهم سافروا طلبا للمخدرات ؟
تسريب للشباب ، وتسريب للصيادين ، وتسريب لمراكب الصيد ، ، وتسريب لخيار المواقع والأراضي بالملاليم ، وتسريب للقوانين في جنح الليل ، وتسريب لأرواح أهالي الحدود ، وتسريب لأهل الكفاءة في مؤسسات التعليم ، وتسريب لأموال الطامعين في توظيف أموالهم ، وتسريب لفيروسات الكبد ، وتسريب للسرطان ليكون حقا لكل مواطن يستخدم دما مسرطنا ، وتسريب للدقيق من مخازن السوء ، و.... و......فيا أخي هوّن عليك ( ماجاتش على الثانوية !! )
واستغرقت في ضحك ظننت أن يشاركني فيه جلسائي فلم أسمع لهم ضحكا ، ولم أحس لهم أثرا ، فنظرت حولي وأنا مسترسل في ضحكي فإذا بي أفاجأ أن أبا دجاجة وصحبه قد ( تسرّبوا ) من حولي وتركوني قائما أخطب في الطواحين !!

مساحة إعلانية