مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

ناصر كمال بخيت يكتب :صوت العقل (مستقبل الثقافة وجيل ألفا )-4-

2026-04-24 09:06 PM  - 
ناصر كمال بخيت يكتب :صوت العقل (مستقبل الثقافة وجيل ألفا )-4-
ناصر كمال -كاتب

تناولنا في المقالات الثلاثة السابقة ظهور الثقافة الرقمية، وسيطرة الذكاء الاصطناعي على تشكيل الوعي بل، وعلى الإبداع نفسه، ولكن ما هو السبب في تلك السيطرة السريعة للمنتج الرقمي السريع على عقول هذا الجيل؟
تتجلى هذه الأزمة بوضوح في منصات التواصل الاجتماعي، التي أعادت تشكيل المجال الثقافي وفق منطق "اقتصاد جذب الانتباه". هذا المفهوم الذي صاغه الاقتصادي الأمريكي "هيربرت سيمون" عام ۱۹٧١م، والذي وصف فيه انتباه الفرد بأنه سلعة نادرة يجب جذبها بكافة الطرق، في ظل طوفان المعلومات والأنشطة والمنتجات الرقمية المعرفية. وقد تجلّى ذلك، كما ذكرت سابقًا، في ظاهرة «الترند»، التي تقوم في معظمها على تقديم محتوى شاذ، وصادم، وسريع، لتحقيق سياسة جذب الانتباه، دون تقديم محتوى ثقافي جاد يسهم في تنمية الوعي.
يتطرق الكاتب الأمريكي نيكولاس كار في كتابه "السطحيون: ماذا يفعل الانترنت بعقولنا" الصادر عام ۲۰۱۰م لتأثير هذا المفهوم على تشكيل العقول، حيث وجد، بناءً على تجربته الشخصية، أن القراءة السريعة والتنقل بين المعارف دون تركيز حقيقي أدّيا به إلى فقدان القدرة على القراءة المتأنية والتأمل. وهو في ذلك يتفق مع ماكلوهان في أن الوسيلة التي تُقدَّم بها الثقافة تؤثر في تشكيل الوعي والعقل، وكأن ما نحصل عليه من كل هذا التقدم التكنولوجي، رغم اتساعه ورحابته، يفقدنا القدرة على التفكير العميق، ويضعف قدراتنا على الإبداع والتجديد، ويؤدي بنا إلى السطحية وضحالة المعرفة، بسبب سهولة وسرعة الحصول عليها.
يقف جيل ألفا اليوم في مفترق طرق: إما الاستسلام لسهولة الحصول على المعلومة باستخدام التكنولوجيا، بما فيها الذكاء الاصطناعي، وبالتالي إعادة تدوير القديم بثوب جديد، أو استخدام هذه التقنيات الحديثة في المقارنة، والتحليل، والنقد، واستخلاص وبناء نظريات معرفية جديدة تسهم في تقدم الحضارة البشرية.
امنيتي الشخصية أن يجد هذا الجيل طريقا أكثر عمقا، ويشق له طريقا يحافظ به على هويته الوطنية والثقافية في ظل طوفان السطحية والترند الرخيص، الذي بات يهدد عقله ووعيه؛ وبالتالي جره نحو مستنقع من الجهل والتبعية، ينتهي معه التميز والابداع الحقيقي ليصبح الجميع نسخة رقمية مكررة وبلا ملامح واضحة.

مساحة إعلانية