مساحة إعلانية
بقلم محمد فتحي السباعي
في ذاكرةِ الأوطان رجالٌ يمرّون كالعابرين، ورجالٌ يتحوّلون إلى تاريخٍ كاملٍ يمشي على قدمين. وكان سعد زغلول واحدًا من أولئك الذين لم يعيشوا لأنفسهم، بل عاشوا لوطنٍ كان يختنق تحت وطأة الاحتلال، فصار اسمه مرادفًا لفكرة الحرية ذاتها.
وُلِد سعد باشا في قرية إبيانة، التابعة قديمًا لمديرية الغربية، والواقعة اليوم بمحافظة كفر الشيخ، لكن القدر كتب فصلًا بالغ الأهمية من حكايته الوطنية داخل قرية مسجد وصيف التابعة لمركز زفتى، القرية الهادئة التي تحولت ذات يوم إلى غرفة عملياتٍ للحلم المصري الكبير.
هناك، على مقربةٍ من النيل، قامت سرايا سعد باشا بعزبة “سعد باشا”، الإرث الذي آلت ملكيته إلى زوجته السيدة صفية زغلول عن والدها مصطفى باشا فهمي. ولم تكن تلك السرايا مجرد استراحةٍ ريفيةٍ يقضي فيها الزعيم عطلاته، بل كانت معملًا سريًّا لصناعة الوعي الوطني، ومنبرًا تُرسم فيه ملامح مصر الجديدة.
عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، كانت مصر تغلي بالغضب والأسئلة. وفي تلك السرايا تحديدًا، اجتمع سعد زغلول مع رفاقه من رموز الوطنية المصرية، يناقشون مصير البلاد، ويبحثون عن الطريق الذي تنتزع به مصر استقلالها من قبضة الاحتلال البريطاني. ومن هناك خرجت البذرة الأولى لتشكيل “الوفد المصري”، الذي ضم عبد العزيز فهمي وعلي شعراوي وغيرهما من رجال الحركة الوطنية، ليبدأ فصلٌ جديد من الكفاح الشعبي والسياسي.
ثم جاءت ثورة 1919، فاشتعلت البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وكانت زفتى إحدى أكثر المدن اشتعالًا بالروح الوطنية، حتى أعلن الثائر يوسف الجندي استقلال المدينة تحت اسم “جمهورية زفتى”، رافعًا راية الحرية فوق مبانيها الحكومية في تحدٍ صريح للاحتلال.
وحين ضاق الحصار الإنجليزي على المدينة، فرّ يوسف الجندي إلى سرايا سعد باشا بمسجد وصيف، حيث فتحت له صفية هانم زغلول أبواب السرايا، وكأن البيت كان يعرف أن دوره الحقيقي لم يكن السكن، بل احتضان الثورة.
أما الصورة النادرة القادمة من عشرينيات القرن الماضي، فتُظهر سعد باشا واقفًا في شرفة سراياه، يتأمل الأرض التي شهدت اجتماعات الوطنيين وخطوات الحالمين بمصر الحرة. صورةٌ تبدو هادئة، لكنها تحمل في عمقها صخب أمةٍ كاملة كانت تستعد لتغيير مصيرها.
لم يكن سعد زغلول مجرد سياسيٍّ بارع أو خطيبٍ مُلهِم، بل كان حالةً وطنية استثنائية، استطاعت أن تحوّل غضب المصريين إلى مشروع مقاومة، وأن تجعل من الإرادة الشعبية قوةً لا يستطيع الاحتلال كسرها.
ولهذا لم يبقَ سعد زغلول في كتب التاريخ فقط، بل بقي في وجدان المصريين رمزًا للرجل الذي علّم وطنًا كاملًا كيف يقول: “لا”.