مساحة إعلانية
في لحظة إقليمية شديدة الاحتقان، لم يعد ممكناً الفصل بين المنبر الديني وساحات الاشتباك السياسي، بعدما اختار المنشد الكويتي مشاري راشد العفاسي أن يقتحم المشهد بخطاب صادم، تجاوز حدود الإنشاد إلى التحريض الرمزي، وأشعل موجة جدل عاصفة امتدت من المنصات الرقمية إلى عمق الوعي العربي. ما حدث لم يكن مجرد تعبير عن موقف، بل إعادة تعريف لدور الصوت الديني حين يُستدعى إلى ميادين الصراع.
لم تأتِ كلمات العفاسي في سياق فني بريء، بل بدت كبيان سياسي مكتمل الأركان، صيغ بلغة دينية قادرة على النفاذ إلى الوجدان الشعبي بسرعة وخطورة في آنٍ واحد. أنشودة “تبت يدين إيران واللي مع إيران” لم تكن مجرد عمل إنشادي، بل رسالة مباشرة تحمل اتهاماً صريحاً وتصنيفاً حاداً، يختزل مشهداً إقليمياً معقداً في جملة واحدة مشتعلة. ثم جاءت تصريحاته عبر وسائل التواصل لتُكمل الصورة، مستدعياً خطاباً تعبويّاً يطرح أسئلة استنكارية تدفع نحو الاصطفاف لا التفكير.
محاولة العفاسي الفصل بين البعد المذهبي والموقف السياسي بدت، في ظاهرها، محاولة لتخفيف حدة الخطاب، لكنها في جوهرها لم تنجح في نزع الشحنة الدينية الكامنة داخله. فحين تُستخدم مفردات ذات حمولة عقدية في توصيف صراع سياسي، يصبح الفصل نظرياً أكثر منه واقعياً، ويتحول الخطاب—ولو بحسن نية—إلى أداة تغذية للاستقطاب، لا جسراً لتجاوزه.
الأخطر من ذلك، أن هذا النمط من الخطاب يعيد تشكيل وعي الجمهور على قاعدة التبسيط المخلّ: “نحن” في مواجهة “هم”، دون مساحة للفهم أو التعقيد. دعم العفاسي العلني لدول الخليج، مقابل هجومه الحاد على إيران، لم يُقرأ فقط كاصطفاف سياسي، بل كإعادة إنتاج لثنائية حادة تُقصي كل منطقة رمادية، وتدفع الجماهير نحو مواقف انفعالية تتغذى على العاطفة لا على التحليل.
ويُضاف إلى ذلك تساؤل لا يقل حساسية: لماذا تأتي حدة الخطاب وانتقائيته بهذا الشكل؟ إذ لم نسمع ذات النبرة أو الصياغة الحادة تجاه قوى دولية أخرى مؤثرة في المشهد الإقليمي، مثل إسرائيل أو الولايات المتحدة، رغم ما يحيط بدورهما من جدل واسع في المنطقة. هذا التباين في توجيه الخطاب يفتح الباب أمام انتقادات تتعلق بازدواجية المعايير، ويضعف من قوة الطرح، إذ يبدو وكأنه يختار خصماً بعينه دون غيره، لا وفق معيار ثابت، بل وفق سياق سياسي انتقائي.
ردود الفعل لم تكن أقل اشتعالاً من الخطاب ذاته. انقسام حاد بين من اعتبره صوتاً صريحاً يعبر عن قلق عربي مشروع، وبين من رآه انزلاقاً خطيراً نحو تديين الصراع وتوسيع دائرة الفتنة. لكن ما غاب وسط هذا الضجيج هو سؤال أكثر عمقاً: هل يملك الرمز الديني رفاهية الانخراط في صراعات سياسية دون أن يدفع المجتمع الثمن؟
الحقيقة الصادمة أن ما جرى يتجاوز شخص العفاسي، ليكشف عن أزمة أوسع في توظيف الدين داخل المجال العام. فحين يتحول المنشد إلى فاعل سياسي، والمنبر إلى منصة تعبئة، يصبح الخطر مضاعفاً؛ لأن التأثير هنا لا يخاطب العقل بقدر ما يخترق الوجدان، ولا يدعو إلى نقاش بقدر ما يدفع إلى اصطفاف.
المشكلة ليست في نقد إيران أو غيرها، ولا في التعبير عن موقف سياسي واضح، بل في الكيفية التي يُصاغ بها هذا الموقف. حين يُختزل التعقيد في شعارات، وتُستبدل القراءة العميقة بنداءات حادة، فإننا لا نُدير صراعاً… بل نؤججه.
المنطقة لم تعد تحتمل مزيداً من الأصوات التي ترفع منسوب الانفعال وتخفض سقف الحكمة. فالتاريخ يثبت أن إشعال المشاعر أسهل بكثير من احتوائها، وأن من يفتح أبواب النار، قد لا يملك مفاتيح إغلاقها.