مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

عاطف طلب يكتب : الاقتصاد المصري بين ارتباك القرار وأزمة الإدارة

2026-04-17 12:51 AM  - 
عاطف طلب يكتب : الاقتصاد المصري بين ارتباك القرار وأزمة الإدارة
عاطف طلب

لم تعد الأزمة الاقتصادية في مصر مجرد انعكاس لضغوط خارجية أو تحديات عالمية، بل أصبحت في جوهرها أزمة إدارة ورؤية. فمع تتابع القرارات وتضاربها، يزداد الشعور بأن الملف الاقتصادي يُدار دون إطار استراتيجي واضح، وكأن الدولة تتحرك في مسارات متوازية بلا بوصلة تحدد الاتجاه ولا هدف يُجمع عليه الجميع.
إن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في صعوبة التحديات الاقتصادية، بل في كيفية التعامل معها. فالدول لا تُقاس بمدى تعرضها للأزمات، وإنما بقدرتها على إدارتها بكفاءة واحترافية. وفي الحالة المصرية، يبرز خلل واضح في بنية اتخاذ القرار الاقتصادي، حيث تغيب المنهجية المؤسسية لصالح قرارات آنية، يغلب عليها الطابع التفاعلي لا الاستباقي.
هذا النمط من الإدارة يعكس غياب الخبرة التخصصية في بعض مفاصل صنع القرار، وهو ما يؤدي إلى سياسات تفتقر للاتساق والاستمرارية. فبدلًا من بناء مسار اقتصادي متكامل، نجد أنفسنا أمام إجراءات متفرقة، تُعالج الأعراض دون الاقتراب من جذور الأزمة. والنتيجة الحتمية لذلك هي بيئة اقتصادية مضطربة، تفقد فيها الأسواق قدرتها على التنبؤ، ويصبح المستثمر — المحلي قبل الأجنبي — في حالة ترقب دائم.
الأخطر من ذلك، أن غياب الرؤية لا ينعكس فقط على الحاضر، بل يُصادر المستقبل. فالتنمية ليست مجموعة قرارات منفصلة، بل مشروع متكامل يقوم على تحديد أولويات واضحة، واستثمار الموارد وفق خطة طويلة الأمد. وعندما تغيب هذه الرؤية، تتحول الدولة إلى إدارة أزمات دائمة، تستهلك الوقت والموارد دون تحقيق تقدم حقيقي.
كما أن ارتباك السياسات يخلق فجوة ثقة بين المواطن وصانع القرار، حيث يصبح من الصعب إقناع الرأي العام بجدوى الإجراءات، في ظل غياب الشفافية والتفسير المنطقي للقرارات. ومع تراكم هذه الفجوة، يتزايد الشعور العام بعدم اليقين، وهو ما يمثل بيئة خصبة لمزيد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
إن التقدم نحو المستقبل لا يتحقق بالصدفة، ولا عبر قرارات متعجلة، بل من خلال إدارة واعية تدرك أن لكل خطوة تكلفة، ولكل قرار أثرًا ممتدًا. وما لم تُبنى السياسات الاقتصادية على أساس علمي وخبرة حقيقية، فإن أي محاولات للإصلاح ستظل محدودة التأثير، وربما تزيد من تعقيد المشهد بدلًا من تبسيطه.
الأزمة الحالية تضعنا أمام لحظة حاسمة: إما الاستمرار في إدارة الواقع أو مراجعة جذرية .. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط: لماذا لا نتقدم؟ بل: هل نمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بمواضع الخلل، والعمل على تصحيحها؟

مساحة إعلانية