مساحة إعلانية
لابد من دم ديك أسود لا أمارة عليه ...
قال ذلك و هو يملي علينا قائمة بالعقاقير التي يتوجب احضارها لنبلغ المراد...
تحسس شاربه و زاغت عيناه في المكان قبل أن تقعا عليَّ...
تراءت لي في عينيه بعض رقرقة و تنازعتني هواجس شتى...
خفضت بصري،بانت قدماه... بشرة رطبة، مثله لا يفلح أرضا و لا تلمس قدماه التراب!
على التابوت غطاء يشبه الأغطية التي في ضريح القرية التي ، صغارا، كنا نتسابق للمس الحرير الذي ينسدل على الضريح . فتثنينا عيون الجدات متوعدات بخروج صاحبه معاقبا..
-" إنكم تدنّسونه!"
تنهرنا الكبرى..
-" تعالوا نتوضأ ثم نعود، لعله سيرضى بذلك!"
نهرول جماعة إلى خلفية مبنى الضريح و ننتشر على المراحيض ذات الأحواض التركية، ثم نشطف بقليل الماء المتبقي أيدينا و رؤوسنا و نعود إلى الغطاء الأخضر متمسّحين به...
-"سيعاقبكم أشد العقاب! "
هكذا تنتهي محاولاتنا في كل مرة..
لم أعد لزيارة الضريح منذ غادرنا القرية و لم تدخر أمي جهدا في تذكيري أن نجاحاتي المهنية من فضائله و أن شكواي اليوم لن يحلها إلا تلك (الوعدة) التي بخلت بها بعد تخرجي...
-"لابد من ديك أسود لا أمارة عليه"
هززت رأسي موافقة بدون أن يصدر عني صوت.
و وجدتني مرة أخرى أنظر إلى غطائه الأخضر و إلى طاقيته البيضاء الناصعة و الشموع و البخور و الصرائر العديدة المرمية هنا و هناك...
أمي التي تتملكها الرهبة و الرغبة و يعشش الألم في دواخلها منذ احرزتُ على لقب الأستاذة العانس، سرعان ما كلفت عجائز الحي بالبحث عن الديك الأسود الذي لا أمارة عليه، و استحثتني حالما صاح في بيتنا ذات صباح...
في الطريق سألتها إن كانت حقا تعتقد في كراماته، لم تجبني، عادت تتمتم كما سالف عهدها... "ما اضرّ بك غير كفرك ... و يا ليت العناء يقتصر عليك وحدك..."
مشينا صامتتين في جنازة بلا ميت، لم ترفع فيَّ عينيها و لم أستمع إلى دعائها متوسلة أن يحظى الديك بالقبول...
يصيح الديك و كأنه عارف بريشه الذي سيتطاير بعد لحظات تحت سكين صاحب الكرامات و أصحابه.
بابتسامته الهادئة استقبلنا و بدا عليه الرضا، همست أمي إليّ أن أخفض بصري و أن أنحني إجلالا له لعل صاحبته، الجنية اليهودية التي تتملك به تشفق لحالي و تغير من تفاصيلي قليلا...
تقدم مني ببطء، مسح على رأسي، ابتعدتُ قليلا، اقترب و هامسا أمرني أن أهدأ حتى يتم كل شيئ على خير...
وراء الباب توجد الخلوة،اكتشفت أخيرا ما تحت الرداء الحريري الأخضر: كثيرا من دماء الصبايا اللواتي يسوقهن القدر إلى هنا قبل أن يغادرن الدنيا...