مساحة إعلانية
في القانون الجنائي، لا تكفي النية الإجرامية وحدها لقيام الجريمة، كما أن فشل الجاني في تحقيق النتيجة لا يعني بالضرورة إفلاته من العقاب. وبين هذين الحدين تبرز نظرية "الجريمة المستحيلة" باعتبارها واحدة من أكثر المسائل القانونية دقة وتعقيدًا، لأنها تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يُعاقب الشخص على جريمة استحال وقوعها منذ البداية؟
تقوم الجريمة المستحيلة عندما تتجه إرادة الجاني إلى ارتكاب جريمة معينة، ويبدأ بالفعل في تنفيذها، إلا أن النتيجة الإجرامية تكون مستحيلة التحقق لسبب يجهله وقت التنفيذ. فالجاني يعتقد أنه يسير نحو إتمام جريمته، بينما تكون الظروف الواقعية أو القانونية قد جعلت تحقيقها غير ممكن من الأصل.
ويُميز الفقه الجنائي بين نوعين من الاستحالة؛ الأولى هي الاستحالة المطلقة، حيث يستحيل وقوع الجريمة استحالة تامة، كما في إطلاق النار على شخص متوفى بالفعل أو محاولة إجهاض امرأة غير حامل. أما الثانية فهي الاستحالة النسبية، وتتحقق عندما تكون الجريمة ممكنة في ذاتها، لكن تعذر وقوعها بسبب وسيلة غير فعالة أو ظرف عارض، مثل استعمال سلاح معطل أو محاولة السرقة من جيب خالٍ.
ومن هنا نشأ الجدل القانوني حول مدى العقاب على هذه الأفعال. فهناك من يرى أن استحالة النتيجة تنفي الجريمة والشروع معًا، بينما يذهب اتجاه آخر إلى أن الخطورة الإجرامية تكمن في الإرادة التي اتجهت إلى الإجرام وبدأت في التنفيذ، بصرف النظر عن تحقق النتيجة من عدمه.
وقد استقر الاتجاه الغالب في القضاء المصري على التفرقة بين الاستحالة المطلقة والاستحالة النسبية، باعتبار أن معيار العقاب لا يرتبط فقط بتحقق النتيجة، وإنما بمدى صلاحية الفعل والوسيلة لإحداثها وفق السير العادي للأمور. فإذا كانت الجريمة مستحيلة استحالة مطلقة، انتفى الشروع في كثير من الأحوال، أما إذا كانت الاستحالة نسبية وظلت الجريمة ممكنة في الأصل، فإن الشروع قد يظل قائمًا ومستوجبًا للعقاب.
كما أكدت محكمة النقض المصرية في أحكامها أن الشروع يتحقق متى توافر القصد الجنائي وبدأ الجاني في تنفيذ فعل يؤدي مباشرة إلى ارتكاب الجريمة، وأن عدم تحقق النتيجة بسبب ظرف خارج عن إرادته لا يحول دون مساءلته جنائيًا متى كان فعله صالحًا بطبيعته لإحداثها.
وتكتسب هذه النظرية أهمية خاصة في ساحات المحاكم، إذ تمثل أحد الدفوع الجوهرية في قضايا الشروع، حيث يستند الدفاع إلى استحالة النتيجة أو عدم صلاحية الوسيلة أو انتفاء الخطر الإجرامي الحقيقي للمطالبة باستبعاد وصف الشروع أو القضاء بالبراءة.
وفي النهاية، تظل الجريمة المستحيلة نموذجًا واضحًا للتوازن الذي يسعى إليه القانون الجنائي بين حماية المجتمع من الخطورة الإجرامية وعدم معاقبة الأفراد على مجرد أفكار أو نوايا لم يكن من الممكن أن تتحول إلى جريمة واقعة. وبين الاستحالة المطلقة والاستحالة النسبية يبقى الفيصل دائمًا هو تقدير المحكمة لمدى إمكانية تحقق النتيجة في ضوء ظروف كل واقعة على حدة.