مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

دكتور يحيى هاشم يكتب :الأسرة المصرية في خطر والتشريع وحده لا يكفي

2026-05-02 10:31 AM  - 
دكتور يحيى هاشم يكتب :الأسرة المصرية في خطر والتشريع وحده لا يكفي
دكتور يحيي هاشم

حين يغيب علم الاجتماع عن القوانين تدفع الاسرة الثمن .. فلم تعد ازمة قوانين الاسرة و الاحوال الشخصية مجرد خلافات فردية بين زوج و زوجة بل تحولت الى قضية مجتمع تمس استقراره و تماسكه بشكل مباشر

و مع تزايد معدلات الطلاق و ارتفاع حدة النزاعات داخل المحاكم أصبح من الواضح أن المشكلة لا تكمن فقط في سلوك الافراد و لكنها تمتد الى طبيعة القوانين التي تنظم العلاقة الاسرية

إن القوانين الحالية رغم ما تحمله من نوايا لتحقيق العدالة الا انها في كثير من الحالات تدار بعقلية قانونية مجردة و تتعامل مع الاسرة كملف قضائي و ليس ككيان انساني معقد تحكمه مشاعر و تفاعلات اجتماعية و نفسية
و هنا تظهر الخطورة الحقيقية حين تتحول النصوص القانونية الى ادوات للصراع بدلا من ان تكون وسائل للحل و من هذا المنطلق تبرز الحاجة الى رؤية جديدة تعيد صياغة فلسفة قوانين الاحوال الشخصية ليس بهدف تعديل بعض البنود و لكن بهدف بناء منظومة متكاملة تمنع النزاع قبل وقوعه

و لعل واحدة من اهم النقاط التي يجب ان يتضمنها اي تعديل حقيقي هي ادخال نظام الارشاد الاسري الالزامي
بحيث لا يتم اللجوء الى الطلاق او الخلع مباشرة
الا بعد المرور بجلسات علمية يشرف عليها متخصصون في علم الاجتماع  لأن هذه الخطوة ليست ترفا
و لكنها ضرورة لان كثيرا من حالات الطلاق تتم في لحظات انفعال
و كان يمكن احتواؤها لو توفرت لها تدخل مبكر و من النقاط الجوهرية ايضا
ضرورة وجود تقرير اجتماعي ملزم قبل صدور الاحكام  لانه مهما بلغت الخبرات القانونية لا يمكنها وحدها تقييم الابعاد النفسية و الاجتماعية المعقدة داخل الاسرة

التقرير الاجتماعي يضع أمام المحكمة صورة حقيقية
لما يحدث داخل المنزل
و يضمن ان يكون الحكم اقرب الى العدالة الواقعية
و ليس فقط العدالة النظرية اما في ما يتعلق بالاطفال
فلا يزالون هم الضحية الصامتة في معظم النزاعات
حيث يتم استخدامهم احيانا كاداة ضغط بين الاب و الام
و لذلك يصبح من الضروري الانتقال من فكرة الرؤية المحدودة الى نظام الاستضافة المتوازن الذي يضمن للطفل علاقة طبيعية مع كلا الوالدين بعيدا عن الصراع

كذلك لا يمكن اغفال ملف النفقة الذي تحول في بعض الحالات الى ساحة نزاع جديدة و هو ما يستدعي ربطها بالدخل الحقيقي
و استخدام وسائل حديثة لضمان الشفافية و العدالة
و اذا كان طول مدة التقاضي يمثل احد اهم اسباب تفاقم الازمات فان الحل يكمن في انشاء دوائر متخصصة
تلتزم بمدد زمنية محددة للفصل في القضايا لان العدالة البطيئة  قد تكون سببا في تدمير ما تبقى من العلاقة و من الجوانب التي تحتاج الى شجاعة تشريعية حقيقية الاعتراف بالعنف النفسي داخل الاسرة
كأحد اشكال الضرر
الذي لا يقل خطورة عن العنف المادي

كما ان تنظيم اجراءات الطلاق و الزام التوثيق الرسمي يعد خطوة اساسية للحد من الفوضى التي تؤدي الى تعقيد النزاعات و في قلب كل هذه التعديلات يجب ان تبقى مصلحة الطفل هي المعيار الحاكم في كل قرار و كل حكم لان الطفل ليس طرفا في النزاع و لكنه اكثر من يدفع ثمنه .

و اذا كانت الدولة تسعى الى بناء مجتمع مستقر
فان ذلك لن يتحقق الا من خلال اسرة مستقرة و الاسرة المستقرة لا تصنعها النصوص القانونية وحدها
و لكنها تحتاج الى تشريع يفهم طبيعة الانسان
و يستوعب تعقيداته ان تطوير قوانين الاحوال الشخصية لم يعد خيارا بل اصبح ضرورة ملحة

و النجاح الحقيقي لن يتحقق
الا اذا تم الاستماع الى علماء الاجتماع و اشراكهم في صياغة القوانين لان تجاهل البعد الاجتماعي يعني ببساطة استمرار نفس المشكلات حتى مع وجود قوانين جديدة

و في النهاية يبقى السؤال الاهم
هل نريد قوانين تدير الصراع
ام قوانين تمنع حدوثه من الاساس ؟ 
 و الاجابة على هذا السؤال
هي التي ستحدد مستقبل الاسرة المصرية و معها مستقبل المجتمع كله و سلاما عليكي يا بلادي في كل وقت و في كل حين .

مساحة إعلانية