2026-08-06 22:48:24
مساحة إعلانية
بقلم علاء أبو إبراهيم
في زمنٍ باتت فيه الأقنعة أرخص من الوجوه، تحولت الألقاب الرفيعة من أمانة تُحمل على عاتق الشرفاء إلى "بضاعة" تُباع وتُشترى في سوق النفاق الاجتماعي؛ فبين ليلة وضحاها، يرتدي عاطلٌ ثوب "المستشار"، ويتقمص جاهلٌ وقار "الدكتور"، ويحمل مدعٍ قلم "الصحفي"، لا لخدمة حق أو مداواة جرح أو تنوير عقل، بل لسرقة أموال الأبرياء والعبث بهيبة مؤسسات بنيت بدموع الشرفاء وعرقهم. إننا لا نواجه مجرد حيل نصب عابرة، بل نقف أمام زلزال قيمي يضرب جدار الثقة في المجتمع، حيث أصبح المظهر الخارجي الخادع جواز مرور سريع نحو النفوذ، بينما يلوذ الجوهر الحقيقي بالصمت خلف قضبان الذهول.
ولم تعد هذه الظاهرة مجرد حوادث فردية تتناقلها صفحات الحوادث بشيء من الغرابة، بل تحولت إلى "سبوبة" اجتماعية متكاملة الأركان تتغذى على هوس الوجاهة الزائفة ، لقد فطن هؤلاء المزيّفون إلى العقدة المزمنة في مجتمعاتنا ، تقديس المظهر والإنصات الأعمى للقب الرنان ، حيث يكفي أن تطلق على نفسك لقباً فخماً لتفتح لك الأبواب المغلقة وتتحول في نظر البعض إلى "سوبرمان" قادر على حل المعضلات بـ "مكالمة تليفون" ،
من الواضح أن هوس "التريند" وصناعة المحتوى في بلدنا قد وصلا إلى مرحلة متطورة جداً، تخطت بمراحل مجرد تصوير تحديات الأكل أو فيديوهات "التيك توك" التافهة
ووسط هذا العبث، وصل الإبداع الشيطاني ببعضهم إلى استئجار قاعات المحاكم الرسمية بعد مواعيد العمل برشاوي رخيصة، لتحويل منصة القضاء المقدسة إلى "لوكيشن تصوير" رخيص ومسرح لالتقاط الفيديوهات بوشاح العدالة، ليرسل النصاب صورته لوالدته قائلاً بدموع تماسيح مؤثرة: "كان نفسك أكون باشا!".
والمضحك المبكي هنا، أن هذا "الباشا" كافح واجتهد ودفع من جيبه، ليس ليطلب العلم، بل ليشتري "بروموهات" تسويقية ينصب بها على البسطاء لإقناعهم بقدرته الخارقة على إنهاء القضايا وتخصيص الشقق!
إن خطورة هذا التغول لا تقف عند حد الاستيلاء على أموال الضحايا، بل إنها تضرب الأمن السلمي والمجتمعي في مقتل؛ فحين يفقد المواطن ثقته في أن من يرتدي وشاح القضاء هو قاضٍ حقاً، أو أن من يمسك بمشرط الجراحة هو طبيب مؤهل، تنهار قيم الأمان وتتحول البيئة الاجتماعية إلى ساحة مشاع يسودها الشك والريبة
هذه الألقاب تحديداً (المستشار، الدكتور، الصحفي) لم تُخترع للتباهي والتنظير وإشباع عقد النقص، بل هي صمامات أمان للمجتمع؛ فالقانون يحمي الحقوق، والطب يداوي الأجساد، والصحافة تنير العقول ، والعبث بها من قِبل "حواة الألقاب الكرتونية" هو عبث بالبنية الأساسية للدولة ولأن الردع هو السبيل الوحيد لكسر هذه الأقنعة، فإن مواجهة هذا الوباء لا تقع على عاتق الأجهزة الأمنية وحدها من خلال تفعيل العقوبات الصارمة بتهم التزوير والانتحال، بل تبدأ من وعي الفرد نفسه ، لقد حان الوقت لنتوقف عن الانبهار بالبهرجة الجوفاء والسيارات الفارهة والكارنيهات المضروبة لنقابات وهمية، وأن نتعلم كيف نسائل ونفتش في هوية من نتعامل معهم نقابياً وقانونياً
كفانا هتافاً لكل من لبس بدلة أنيقة وتحدث بلغة مبهمة؛ فالمخرج في النهاية دائماً ما ينهي المشهد بكلمة "فركش"، لتتحول منصات الزيف فجأة وبكادر سريع إلى قفص اتهام حقيقي يجمع "الباشا" المزيف بـ "التخشيبة" ، إن سقوط الأقنعة المتتالي لـ "الباشوات المزيفين" ليس مجرد انتصار عابر للعدالة، بل هو ناقوس خطر يدق في وعي المجتمع ليوقظه من غيبوبة الانبهار بالمظاهر الجوفاء ، ولن تنتهي هذه الظاهرة ما دمنا نمنح الألقاب الرنانة حصانة من المساءلة، وما دمنا نفتح أبواب المجالس وصدر الصفحات لكل من يرتدي ثوباً ليس له ، إن حماية مجتمعاتنا تبدأ من استرداد قيمة "الإنسان" بعيداً عن بريق منصبه ، وكشف هؤلاء المحتالين هو واجب أخلاقي وقانوني لا يحتمل المهادنة ، لقد انتهى زمن المشاهد المصطنعة، وحان الوقت لتظل منصات الحقيقة وحدها شامخة، لا يطأها إلا من استحقها بعلمه وشرفه وجهده، ليبقى الحق حقاً.. ويبقى المزيفون مجرد سطور عابرة في كتاب العقاب والندم