مساحة إعلانية
ثمة آلام لا تتسع لها الكلمات، وأشدها وطأة على الروح هو أن ترى قطعة من قلبك، ورفيق طفولتك، يصارعه المرض وأنت تقف قليل الحيلة إلا من الدعاء. الأستاذ محمد الماشطة، صديق العُمر الذي نمت جذور مودته في أعماق قلبي منذ المرحلة الابتدائية، وكنا صغاراً نركض خلف أحلامنا، يمر اليوم بوعكة صحية تفتت الفؤاد حزناً عليه. ليس مؤلماً فقط أن يمرض الصديق، بل المؤلم أن ترى ذلك الصرح الشامخ من النبل، والرجل المحامي القدير الذي أمضى حياته يدافع عن الحق وينصر المظلومين، وهو يتألم
بين جدران الذاكرة، يمر أمامي الآن شريط الذكريات الممتد منذ أيام الصبا وضحكاتنا البريئة في مدرستنا الأولى، وتلك الأيام الخالدة وجلساتنا الدافئة في ليالي مصيف "رأس البر" الساحرة. هناك, حيث تلاقى البحر والنهر، تلاقت قلوبنا مع أوفى الأحباب؛ كنا نتحلق معاً يجمعنا النقاء والمودة الصادقة برفقة الغالي "مسيو محمود الخياط"، والمهندس الجميل "محمد الكيلاني"، وأخي وحبيبي "سمير العتمة"، والخل الوفي "علي شحاتة"، والعزيزين "طارق أبو العز" و"أسامة الحسيني"، والاحباب " إبراهيم طه والسيد حسنين وكسبه وهشام رزق والعدوى " وعسل دمياط النقي الدكتور "ياسر عسل". كانت تلك الجلسات تمتلئ بضحكات محمد، وبشهامته وفصاحته التي لم تتغير منذ الطفولة وحتى أصبح فرساً نبيلًا في ساحات القانون والدفاع عن العدالة
وفي معترك العمل السياسي الشريف، تدرجنا سوياً خطوة بخطوة، وصقلتنا الأيام في مدرسة الحزب الوطني الديمقراطي؛ حيث برز الماشطة كأمين لشباب الحزب، واثق الخطوة وسط عمالقة السياسة وفحولها بدمياط، وكنتُ معه في ذات التوقيت الشغوف أحمل أمانة الإعلام. وهناك، لفت هذا التكامل النقي وكفاءتنا المبكرة نظر الأب الروحي والنائب القدير السيد أبو عبدالله عضو مجلس الشعب جزاه عنا خيراً ، الذي وقع اختياره علينا سوياً ليدفع بنا إلى الأمام، لنصبح أصغر أعضاء المجلس الشعبي المحلي لمدينة دمياط؛ فكنا على قدر المسؤولية، ممتلئين بطاقة الشباب وحب المحافظة
وهو ذات المجلس المحلي الذي يشهد له القاصي والداني في المحافظة أنه الأقوى والأكثر تأثيراً في تاريخ العمل الشعبي بدمياط؛ حيث تزاملنا فيه مع قامات وطنية وأصدقاء مخلصين تحت قيادة الأستاذ ناصر عبد الحق العمري كرئيس للمجلس، وبتواجد الراحل الكريم الأستاذ أحمد الشعراوي، والمرحوم بإذن الله الأستاذ هشام أبو يوسف، والأستاذ محمد شنشن والجميل طياره ، والأستاذ عماد المصري، واخى وحبيبى محمد المنزلاوى والمهندس النبيل محمد أبو العز، وباقي الأعضاء الأفاضل
ولم تقف زمالتنا عند حدود السياسة والمحليات، بل امتدت للرياضة؛ فحين تشرفتُ بإدارة دفعة العمل الرياضي وأصبحت عضواً في مجلس إدارة نادي دمياط الرياضي، كان أخي محمد هو العين الساهرة التي تتولى كافة المسائل القانونية، وكان بفكره ورزانته أكبر داعم لي وموجّه في ذلك الوقت. ثم انتقلنا بعد ذلك إلى العاصمة "القاهرة"، فاتجهتُ أنا إلى مسيرتي في بلاط صاحبة الجلالة كصحفي وعضو بنقابة الصحفيين، بينما انطلق أخي محمد في رحلة تميز استثنائية داخل أروقة الاتحاد المصري لكرة القدم كمستشار قانوني للاتحاد، فصاغ اسماً كبيراً واستطاع بجدارة الحفاظ على حقوق الاتحاد والدفاع عنها، ليرسخ مكانته كأفضل وأكفأ من تولى هذا المنصب
ثم جاءت أصعب اللحظات في عُمر مصر، فوضع أخي محمد الماشطة روحه على يده ووقف شامخاً يدافع عن هوية مصر وأمنها مع رفقائنا الأجلاء، ليكون بعدها هو المسؤول الأول في محافظة دمياط عن حملة انتخابات الرئاسة الأولى لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي. وكم كنت فخوراً بأن أكون جندياً في كتيبته الوطنية كصحفي وكاتب في كل مؤتمر وموقع. ولم يكتفِ صديقي الوطني المخلص بهذا العطاء، بل تولى لاحقاً أمانة تنظيم حزب مستقبل وطن بدمياط، ليحدث طفرة حقيقية وغير مسبوقة في العمل الحزبي والخدمي بالمحافظة؛ ولِمَ لا، وهو الإنسان العاشق لوطنه، والمحب النقي لمحافظته دمياط
ووسط هذا كله.. وسط النجاح الساطع والتفرد اللامع وحب دمياط الذي يسري في عروقه، وقع علينا خبر مرض أخي وحبيبي ورفيق دربي كالسهم الذي يمزق الروح ويؤلم القلب إيلاماً شديداً
لقد نزل الخبر كالصاعقة، ليعيد إلينا حقيقة أن الدنيا دار ممر، وأن أشد الناس ابتلاءً هم الأنقى قلباً ، وحقاً يا صديقي، لا أقدر أن أراك متألماً أبداً؛ فأنا الذي لم أعتد ولم أتعود طوال عقود عُمرنا إلا أن أراك مبتسماً، ضحوكاً، تنشر البهجة والأمل أينما حللت، فكيف لقلبي أن يحتمل رؤية هذا الوجه البشوش السمح وهو يتألم !
ولكنني اليوم لا أملك إلا أن أرفع صوتي بالحب والرجاء ليرتد إليك صدى عافية ونوراً؛ أقول لك يا حبيبي: قم وقاوم.. فأنت الأقوى دائماً. قاوم من أجل حب الناس الجارف لك، من أجل استكمال ما بنيته من مجد وعطاء وخدمة، من أجل غد مشرق ينتظرنا معاً، ومن أجل أن نفرح جميعاً بالابن الغالي "مصطفى" ونراه في أعلى المراتب كما كنت تحلم دائماً. ستظل أقوى يا محمد.. بقوة إيمانك التي لم تهتز، وبعزيمتك الصلبة التي لا تلين، ويسندك في ذلك كله حب الناس الذي يحيط بك كحصن منيع وطوق من الدعوات المستجابة
يا رفيق الدرب وذاكرة الصبا النقي، وشريك العطاء وصاحب السيرة العطرة؛ إن كل شبر في رأس البر، وكل سطر أخطه بقلمي، وكل ركن في مجالس دمياط وملاعب مصر تشهد على نبل روحك. إن قلبي الذي يوجعه تعبك، وقلوب كل هؤلاء الأحباب، لن تكف عن رجاء السماء بأن يلبسك الله ثوب العافية، لتعود كما كنت دائماً، سنداً لا يميل، ونوراً لا ينطفئ، وتجمعنا الأيام مجدداً على خير وبكامل صحتك بين أحبابك الذين ينتظرون عودتك بشوق ودعاء لا ينقطع. اللهم اشفِ محمد الماشطة شفاءً لا يغادر سقماً، ورده إلينا وإلى ابنه وعائلته سالماً غانماً معافى
