مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

مفارقة الجدّ.. حين يقتل المستقبلُ ماضيه .. بقلم زينب طارق - العراق

2026-09-21 02:23 PM  - 
مفارقة الجدّ.. حين يقتل المستقبلُ ماضيه .. بقلم زينب طارق - العراق
زينب طارق
إعلان بنك saib

ماذا لو استطاع الإنسان أن يعود إلى اللحظة التي سبقت وجوده، ثم يتدخل في حدث كان وجوده نفسه نتيجة له؟
يبدو السؤال للوهلة الأولى لعبة من ألعاب الخيال العلمي، لكنه سرعان ما يتحول إلى مأزق منطقي يصعب الخروج منه. فمنذ أن تخيل الإنسان إمكانية السفر عبر الزمن، لم يكن السؤال الحقيقي متعلقًا بآلة تستطيع اختراق السنين فحسب، بل بما قد يحدث للمنطق نفسه إذا استطاع الحاضر أن يمد يده إلى الماضي.
تجسد مفارقة الجدّ هذا المأزق بأوضح صورة. تخيل شخصًا يسافر إلى الماضي، قبل أن يُولد أحد والديه، ثم يمنع جدّه من إنجاب الأب أو الأم، أو يقتله قبل أن ينجب. النتيجة تبدو حتمية: لن يولد أحد والديه، وبالتالي لن يولد هو.
لكن هنا ينفتح باب المفارقة.
إذا لم يولد ذلك الشخص، فمن الذي سافر إلى الماضي وقتل جدّه؟
وإذا لم يسافر، فإن جدّه سيبقى حيًا، وسينجب، وسيولد والده، ثم سيولد هو، وعندئذ يستطيع أن يسافر إلى الماضي من جديد.
هكذا يدخل الحدث في دائرة مغلقة: وجود الشخص هو الذي أتاح الرحلة، والرحلة أدت إلى إلغاء وجوده، وإلغاء وجوده يمنع الرحلة، ومنع الرحلة يعيد الشروط التي أنتجت وجوده.
إنها ليست مفارقة في الأحداث بقدر ما هي مفارقة في السببية. فنحن معتادون على أن يأتي السبب قبل النتيجة، وأن تبقى النتيجة أثرًا لحدث سبقها. لكن السفر إلى الماضي، في صورته المتخيلة، يسمح للنتيجة بأن تعود إلى الوراء لتعبث بالسبب الذي أوجدها.
وهنا يتغير السؤال من: «هل يمكن السفر عبر الزمن؟» إلى سؤال أكثر إزعاجًا: هل يستطيع حدث أن يلغي الشرط الذي جعله ممكنًا؟
لقد اقترحت النقاشات الفلسفية والفيزيائية حول هذه المعضلة تصورات مختلفة لتجنب التناقض. ومن أشهرها مبدأ الاتساق الذاتي، الذي يرتبط بفكرة أن الأحداث الماضية لا يمكن أن تنتهي إلى تناقض منطقي مع نفسها. فإذا عاد المسافر إلى الماضي، فلن يكون قادرًا على إحداث تغيير يجعل رحلته الأصلية مستحيلة.
وفق هذا التصور، لا يصبح الماضي مادة طيّعة في يد المسافر، بل تظل الأحداث متماسكة بحيث لا تسمح للزمن بأن ينتج نتيجة تنقض شروط وجودها.
وهناك تصور آخر يرتبط بفكرة العوالم أو المسارات المتعددة، وفيه لا يؤدي تغيير الماضي إلى محو العالم الذي جاء منه المسافر، بل إلى مسار تاريخي مختلف. وبذلك لا يمحو الإنسان ماضيه، وإنما يفتح تاريخًا آخر لا يكون بالضرورة هو التاريخ الذي جاء منه.
لكن كلا التصورين يكشف شيئًا مهمًا: نحن لا نتعامل مع الزمن هنا بوصفه مجرد تعاقب للساعات والأيام، بل بوصفه شبكة من العلاقات التي تجعل الأحداث ممكنة ومترابطة.
فإذا كان تغيير حدث واحد قادرًا على إلغاء شروط وقوعه، يصبح التاريخ نفسه أشبه ببنية لا يمكن العبث بأحد أجزائها دون أن تتغير البنية كلها.
وربما تكمن قوة مفارقة الجدّ في أنها تضع أمام العقل مرآة غريبة: الإنسان الذي يريد أن يغير ماضيه قد يكتشف أن وجوده ذاته جزء من ذلك الماضي، وأن محاولة محو الطريق الذي جاء منه قد تعني محو المسافر قبل أن يبدأ رحلته.
لذلك لا تبدو المفارقة سؤالًا عن آلة زمن بقدر ما تبدو سؤالًا عن حدود المنطق.
فالمشكلة ليست أن يعود الإنسان إلى الماضي، بل أن يحاول أن يقطع الجسر الذي عبره كي يصل إليه.

مساحة إعلانية