مساحة إعلانية
القَمَرُ مَخْنوقٌ
كان من الموروث الشعبي في قريتنا، كباقي القرى في ذلك الوقت قبل دخول الكهرباء، أن تعتمد القرية على إضاءة المصابيح التي تُشعل بالزيوت والكيروسين، مع اعتماد أهلها الأساسي على نور القمر في الليل.
وكان للقمر دورٌ مهم في الليل، وكانت تصيبه من عام لآخر ظاهرة تُسمى «خَنْقة القمر». فلا يظهر منه وقتها إلا جزء بسيط يميل إلى الحُمرة وبعض البياض. فإذا لاحظ الناس في المساء، بعد صلاة العشاء، هذه الظاهرة، هرع الجميع صارخين: «القمر مَخْنوق! القمر مَخْنوق!»
وكان مؤذن المسجد يصعد إلى أعلى مكان في المسجد أو إلى المئذنة وينادي على الناس: «القمر مَخْنوق يا بلد!»، ويكرر النداء حتى يسمعه الجميع.
فتسرع الناس وتخرج من البيوت تُحمِّد الله وتسبحه وتُهلِّله وتدعوه أن يرفع هذه الغُمَّة ويُفرِّج كرب القمر. وتُفتح المساجد لصلاة الكسوف والدعاء لله. ويطلبون من الأطفال والشباب أن يغنوا للقمر قائلين لهم: «اطلعوا يا أولادنا غنوا للقمر، القمر مَخْنوق».
فيخرج الأطفال والشباب، ويحمل بعضهم طبلة ويعلقها في رقبته، ويلتف حوله الجميع. هو يقرع الطبلة وهم من خلفه يخاطبون بنات الحور في الجنة ويرددون:
«يا بنات الحور، يا بنات الحور، صلوا على الرسول.. القمر مَخْنوق ومعندناش خبر».
وكان الأهالي يخرجون يطرقون الأواني النحاسية والألومنيوم أيضاً، وهم يرددون بصوت عالٍ: «يا بنات الحور، سيبوا القمر ينوّر».
وفي بعض البلاد كنا نسمع أنهم يقولون عن خَنْقة القمر إن القمر دخل في فم حوت عملاق فلم يستطع بلعه كله، وبقي جزء منه ظاهراً. وكانوا يطرقون الطبول كي يُخرِجه الحوت من فمه ويعود كما كان، ويغنون له أيضاً.
كان الناس يهرعون لإنقاذ القمر، فيقرعون الأواني المعدنية ويُحدثون ضجيجاً عالياً لإخافة الحوت ودفعه إلى لفظ القمر من فمه.
وكان الأطفال يشاركون في هذه الطقوس مرددين أهازيج وأغانٍ خاصة، من أشهرها:
«دشِّر قمرنا يا حوت، أحسن ما نِفقَع ونموت».
وعندنا كان الأطفال يرددون أيضاً:
«يا بنات الحور سيبوا القمر.. ده القمر معذور»، و«يا بنات يا حور الجنة ما تسيبوا القمر يتهنى»، و«يا بنات الحور.. خلوا القمر يدور».
ولم تكن هذه الأغاني تُردد في قريتنا وحدها، بل كان يخرج بها كثير من أطفال صعيد مصر، خاصة في القرى والنجوع الصغيرة، عندما يعلمون أن هناك خسوفاً للقمر يطلقون عليه «خَنْقة القمر». فيجوبون الشوارع والميادين حتى في المدن القديمة، حاملين الطبول والصاج، وسط زغاريد النساء ولهو الأطفال.
وكانوا يظنون أن القمر يتعرض لمحنة أو سحر، ويجب مساعدته بالطبل والنداء للحور حتى يخرج من محنته، رغم أنها ظاهرة طبيعية هي خسوف القمر.
والناس كانت تجهل هذه الظاهرة الطبيعية، فكانوا يعتقدون أن القمر تم خَنْقه من بنات الحور أنفسهن أو من العفاريت والجن. ولأجل ذلك كانوا يحتاجون الحور العين ليتركنه، أو إن لم يكن لهن يد، يطلبون منهن الشفاعة عند الله ليفك كرب القمر مما أصابه من مس أو من العفاريت. وكان خوفهم الشديد نابعاً من اعتقاد راسخ في أذهانهم أن استمرار خَنْقة القمر يعني قيام الساعة.
وبقيت هذه الاعتقادات راسخة في أذهان الناس حتى انتشر علم الفلك وتدريسه، وأُنشئت المراصد الفلكية في البلاد.
ومن معتقدات أهل زمان في قريتنا أيضاً:
عند نزول المطر وصوت الرعد والبرق كانوا يعتقدون أنه صوت ملائكة السماء وجبريل وهم يضربون بالسوط. وإذا حدث زلزال قالوا إن الدنيا وضعها الله على قرن ثور، فإذا تعب الثور نقلها على قرنه الآخر، فتحدث هزة الأرض. ويقولون: لو سقطت الأرض من على قرن الثور لانتهت الدنيا وقامت القيامة أيضاً.
ويظلون على هذا الحال يطلبون النجدة من بنات الحور، لعلهن يشفعن لهم عند الله فيُزيح الغمة ويعود القمر ساطعاً.
فمن في المسجد يصلي، ومن يغني للحور العين، ومن يجلس على سطح منزله يترقب القمر، ومن خارج بوابة المنزل ينتظر الفرج. والنساء يجلسن خارج بوابات منازلهن مترقبات، أو داخلهن في انتظار البشرى.
وعندما تنفرج الغمة عن القمر يبدأ ظهوره تباعاً. وكلما ظهر منه شيء جديد استبشر الناس، وزاد تسبيحهم، وارتفعت أغاني الأطفال وهم يجوبون شوارع القرية من أقصاها إلى أقصاها.
وعندما يكتمل ظهوره ويعود كما كان، تعلو زغاريد النساء في كل مكان في القرية، ويكبر الرجال ويحمدون الله ويكثرون من الصلاة على رسول الله ﷺ. ويفرح الجمع، وتعود الرجال من المساجد حامدة ربها إلى منازلها، وتدخل النساء إلى دورهن، وينصرف الأطفال بعد التكبير والتهليل والحمد.
وتعود السكينة والطمأنينة للناس، الذين كانوا يعتقدون أنه لو استمر الحال ولم ينفك كرب القمر لأقامت الساعة، ودُكّت الأرض دكاً ليوم القيامة.