مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

علاء أبو إبراهيم يكتب : الكلمة الطيبة تستر وتجعلك تصلى فى محراب الوطن

2026-09-17 08:16 PM  - 
علاء أبو إبراهيم يكتب : الكلمة الطيبة تستر وتجعلك تصلى فى محراب الوطن
علاء أبو إبراهيم
إعلان بنك saib

في محراب هذا الوجود الشاسع، تولد الكلمات من أعماق أرواحنا لا كحروف عابرة يذروها الشجر، بل ككائنات حية لا تموت؛ إنها الوعود والمواثيق والعهود. الكلمة هي الأمانة العظمى التي أبت السماوات والأرض أن يحملنها وأشفقن منها، فحملها الإنسان. بكلمة واحدة صادقة، قد تبني جسرًا من الأمل فوق بحار اليأس، وبكلمة طائشة، قد تهدم صرحًا من الأمان في قلبٍ بريء. إننا حين ننطق، لا نطلق أصواتًا، بل نغرس في ضمير الوجود إما ياسمينًا يفوح بالسكينة، أو نصلًا يدمي مهجة الروح. تذكرنا آيات الذكر الحكيم بقدسية هذا الأثر فيقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} (إبراهيم: 24). 
وفي إنجيل متى، نجد صدى هذا الصدق يهز الوجدان: "بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ" (متى 12: 37). فالكلمة مسؤولية عظمى، واللسان ميزان ينبض بالحق أو يهوي في ظلمات الخذلان.

ومن طهر الأمانة ونقاء السريرة، ينبثق خلق يفيض بالرحمة والمروءة، خلق يُدثر الندوب ويجبر القلوب الكسيرة: إنه ستر الناس. الستر ليس مجرد صمتٍ بارد، بل هو احتضان دافئ لضعف الإنسان وانكساره. حين ترى عثرة أخيك في الإنسانية، فلا تكن سوطًا يجلده، بل كن رداءً يظله ويحميه من عيون الشامتين. كم من نفسٍ تائهة أحياها سترٌ صادق، وكم من روحٍ أهلكها الفضوح ..! 
لقد جعل الرسول محمد ﷺ الستر أبهى صور النبل الروحي فقال: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» (صحيح مسلم). وفي فيض المحبة المسيحية، يفيض الإنجيل بعاطفة غامرة تدعو لغفران العيوب "وَلٰكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، لِتَكُنْ مَحَبَّتُكُمْ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ شَدِيدَةً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا" (بطرس الأولى 4: 8). 
إننا جميعًا نعيش في كنف ستر الخالق العظيم، فكيف نبخل بالستر على عباده؟!

ولنا في ذلك أسمى مثلٍ وأعمق حكمة؛ فلو تم ستر كل خطيئة وهفوة في مهدها، واحتُوي المخطئ برفقٍ ليعود إلى رشده، لما تجذرت الشرور في النفوس، ولما رأينا خطيئةً عابرة تتحول إلى خطة ممنهجة، فلو سُترت الخطيئة ما كانت هناك جريمة. إن الفضيحة تكسر الحياء، وحين يُسلب الإنسان حياءه أمام مجتمعه، يتجرأ على اقتراف الموبقات علانية، ويتحول من مخترقٍ للقانون في خفاء إلى مجرمٍ متمردٍ في العلن. الستر هو صمام الأمان الذي يحفظ على العاصي خط الرجعة، ويحميه من ذل الانكسار ومن قسوة نبذ المجتمع التي قد تدفعه إلى الغرق في مستنقع الجريمة

وحين يمتزج صدق الكلمة بجمال الستر، يتجلى أسمى المشاعر الإنسانية وأقدسها: حب الوطن ،

 إن حب الأوطان ليس شعارًا زائفًا يتبخر في الهواء، ولا طقوسًا تقام في المحافل، بل هو نبض القلوب، وعقيدة راسخة، وعبادة صامتة تُعمد بالعطاء والتضحية. الوطن هو ذلك الحضن الدافئ الذي رضعنا من نيله وفراته وعروقه أبجديات الوجود، وهو التراب الغالي الذي تخالطت به دماء الأجداد لتصنع مجد الأحفاد. ما أعظم الشوق للوطن حين يسيل دموعًا من عيون الأنبياء؛ فهذا نبي الله محمد ﷺ يقف على أعتاب مكة، يلتفت إليها بقلبٍ منفطر وعينين دامعتين قائلًا: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ! وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ» (سنن الترمذي). إن الانتماء للوطن هو صيانة لكرامة الإنسان، والدفاع عنه هو الصلاة التي لا تنقطع

ولو أننا علمنا من حولنا وغرسنا في نفوسهم حب الوطن الحقيقي، ما كان هناك إرهاب، ولا حوادث قتل، ولا تفجيرات تدمي القلوب والبلاد. إن الإرهاب والفكر المتطرف لا يجدان مدخلًا إلى قلبٍ نبض بحب أرضه ورأى في أهله إخوة له. 
حين يتعلم الإنسان أن حب الوطن عبادة، يدرك أن حماية أرواح مواطنيه وصون منشآته هي حماية لدينه وعرضه، وأن يد الغدر التي تفجر وتقتل إنما تقطع شرايين الحياة في جسد أمتها. حب الوطن هو الترياق الوحيد الذي يحصن العقول ضد سموم التخريب، ويحول الأفراد إلى حراس أوفياء يبنون الحياة ولا ينشرون الموت

إن صون أمانة الكلمة، ودثار الستر، وعشق تراب الوطن، ليست مجرد خصال نتحلى بها، بل هي حبال النجاة التي نتمسك بها وسط عواصف هذا الوجود. بالكلمة الصادقة نوقد شعلة الحق، وبالستر الحاني نضمد جراح الإنسانية ونئد الجريمة قبل ولادتها، وبعبادة حب الوطن نبني حصون الوفاء. فليست الحياة إلا موقفًا شريفًا، وأثرًا طيبًا، وروحًا تفيض بالرحمة. دعونا نخط بأقلامنا وأفعالنا سفرًا من النور، ونزرع في نفوس الأجيال أن كرامة الإنسان من كرامة لسانه، وأن أمان المجتمع في ستر عيوبه، وأن قدسية الأوطان من قدسية الإيمان؛ لنحيا معًا تحت سماء واحدة، بقلوبٍ نابضة بالحب، وعقولٍ شامخة بالسلام، منتمين لأرضٍ منحناها العهد، فمنحتنا الحياة والأمان والخلود

مساحة إعلانية