مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

حين يأكل الغني مع الغني... من يبقى على مائدة الفقير؟ بقلم: محمد أحمد احمري

2026-07-30 04:31 AM  - 
حين يأكل الغني مع الغني... من يبقى على مائدة الفقير؟ بقلم: محمد أحمد احمري
محمد أحمد أحمري

ليست المشكلة أن يجلس الغني مع الغني، فالتشابه يجذب التشابه، والمصالح تبحث عن مثيلاتها. لكن المأساة تبدأ عندما تتحول الثروة إلى جدارٍ عازل، لا إلى جسرٍ يصل بين الناس.

أصبحنا نعيش زمنًا تُقاس فيه قيمة الإنسان بما يملك، لا بما يحمل من مبادئ. تُفتح الأبواب لأصحاب الأموال، وتُفرش السجاد لأصحاب النفوذ، بينما يقف الفقير على الهامش، لا لأنه أقل إنسانية، بل لأنه أقل مالًا.

والحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن الفقير لا يحتاج إلى نظرة شفقة، بل إلى اعتراف بكرامته. فهو ليس رقمًا في قوائم المحتاجين، ولا صورة تُلتقط في موسم التبرعات، بل إنسان له حق في الاحترام قبل الإحسان.

الغنى ليس رصيدًا في بنك، ولا قصرًا شاهقًا، ولا موكبًا من السيارات الفارهة. الغنى الحقيقي هو أن تمتلك قلبًا لا يتغير حين تتغير أرصدتك، وأن تبقى قريبًا من البسطاء عندما تصبح قادرًا على مجالسة الكبار.

كم من موائد ازدحمت بالأثرياء، لكنها كانت خاوية من الرحمة. وكم من بيتٍ فقير، لا يملك إلا كسرة خبز، لكنه امتلأ بالمحبة والرضا والسكينة. فليست وفرة الطعام هي التي تُشبع الأرواح، بل وفرة الإنسانية.

إن أخطر أنواع الفقر ليس فقر الجيب، وإنما فقر الضمير. وأخطر أنواع الغنى هو ذلك الذي يجعل صاحبه يرى الناس درجات، فيقترب ممن يملكون، ويبتعد عمن يحتاجون.

لقد كان عظماء التاريخ يُعرفون بمن جلسوا معهم، لا بمن جلسوا فوقهم. وكان الأنبياء والمصلحون يبدؤون بالضعفاء، لأنهم أدركوا أن بناء الأوطان لا يبدأ من القصور، بل من القلوب.

فإذا كان الغني لا يعرف إلا الغني، فمن يجلس مع الفقير؟ ومن يسمع وجعه؟ ومن يشاركه رغيفه؟ ومن يرد إليه شعوره بأنه جزء من هذا المجتمع؟

إن الأمم لا تسقط حين يقل المال، وإنما تسقط حين تُختزل قيمة الإنسان في ثروته، ويُنسى أن الكرامة لا تُشترى، وأن الأخلاق لا تُورث مع الحسابات البنكية.

فلنجعل من الغنى رسالة، لا امتيازًا. ومن المال وسيلة للبناء، لا سببًا للتعالي. فربّ فقيرٍ رفعه خُلُقه إلى أعلى المراتب، وربّ غنيٍ أسقطه كِبره إلى أدنى المنازل.

وفي النهاية، لن يُسأل الإنسان يومًا: كم جمع من المال؟ بل ماذا صنع به، ومن أسعد به، ومن أعان به، ومن أحيا به قلبًا كاد أن يموت يأسًا. هناك فقط... يُعرف الغني الحقيقي.

مساحة إعلانية