مساحة إعلانية
تجرأ مفتو آخر الزمان فأقنعوا جهلاء الناس بعدم الجلوس لتلقي العزاء ثلاثة أيام .
إن تعزية أهل الميت سنة شريفة من سنن الإسلام يُرجى لفاعلها الثواب إذا جاء بها على النحو المبين بالشرع، والذي يجهله أكثر الناس مع الأسف، فقد يعزي المسلم أخاه فيجلس صامتا، ظناً منه أن هذا من الخُلُق الحسن، مع أن هذا مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم في التعزية.
ووقت التعزية له ضوابط شرعية، أشهرها أنه يبدأ من حين الموت، ويستمر ثلاثة أيام، وهذا ما ذهب إليه أكثر العلماء استنادا لما رواه أبو داود والنسائي وأحمد عن عبد الله بن جعفر-رضي الله عنه-من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمهل آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم".
وأجاز جماعة من الحنابلة وجماعة من الشافعية أن تتأخر التعزية إلى أي حد بعد الثلاثة الأيام الأولى من الوفاة وقالوا : لأن الغرض هو الدعاء والحمل على الصبر والنهي عن الجزع، وذلك يحصل مع طول الزمان، ولا خلاف بين العلماء على جواز تأخير تعزية من كان غائباً من أهل الميت أو تأخيرها إذا كان من يريد التعزية غائباً عند حدوث الوفاة.
والمشهور عند العلماء أن التعزية تجوز لكل فرد بما يناسب حاله، إلا أن الأحناف يستحبون أن يقال للمصاب : غفر الله سبحانه وتعالى لميتك وتجاز عنه، وتغمده برحمته، ورزقك الصبر على مصيبته وأجرك على موته.
وقال الإمام النووي في الأذكار عن هذه الصيغ : إنها أحسن ما يعزى به، وأما جلوس أهل الميت لتلقي العزاء فهو مكروه عند الشافعية والحنابلة، مباح عند المالكية وعند الأحناف أنه خلاف الأول (بسكون الواو بعد الهمزة المفتوحة وهي درجة من درجات الحكم الشرعي عند الأحناف دون المكروه وفوق المباح: أي (لا يعاقب على فعلها) والأفضل أن يكون هذا الجلوس في البيوت وليس في الطرقات ، وبشرط ألا يقصد به إلى المباهاة والتفاخر والمظاهر الجاهلية. أما ما يحدث الآن من مجاملات عصرية مثل توزيع القهوة أو السجائر أو تبادل الأحاديث الدنيوية في مجالس العزاء فهذا ليس من الإسلام في شيء. ويستحب أن تعم التعزية جميع أقارب الميت كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً، ما عدا المرأة الشابة ، فإنه لا يعزيها إلا محارمها، دفعاً للفتنة.
وأجاز المالكية تعزية أهل الميت أكثر من مرة وذهب إلى كرهة تكرار التعزية كل من الأحناف والحنابلة والشافعية الذين يرون أن التعزية مرة واحدة.
وللتعزية ثواب كبير ورد فيه حديث حسن أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد وابن عساكر في تاريخ دمشق أن أنس بن مالك-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم-أنه قال: "من عزى أخاه المؤمن في مصيبته كساه الله حلة خضراء يحبر بها يوم القيامة".
قيل يا رسول الله : ما يحبر؟ قال : يغبط.
أما حديث : "من عزى مصاباً فله مثل أجره"، فهو ضعيف برغم أنه مشهور بين الناس، كما بين ذلك النووي-رحمه الله-في المجموع.
وأفضل التعزية أن يدعو المعزِّي : (بتشديد الزاي المكسورة) للميت لما أخرجه مسلم وغيره من حديث أم سلمة من أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين قُبض أبو سلمة دعا له فقال: "اللهم اغفر لأبي سلمة. وارفع درجته في المهديين، وأخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له قبره، ونور له فيه".
كما دعا لجعفر في الحديث الذي ذكرنا جزءاً منه في بداية هذا المقال.
فقال : "اللهم اخلف جعفراً في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه. قالها ثلاث مرات". ويستحب هذا الدعاء لأنه ثبت أن دعاء المسلم لأخيه مستجاب. لقوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} "الحشر: 10".
وقوله صلى الله عليه وسلم : (دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة. عند رأسه ملك موكّل. كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكَّل : آمين ، ولك بمثل) .. صحيح رواه مسلم وأبو داود وأحمد عن أبي الدرداء.
كما يستحب في التعزية مسح رأس اليتيم وإكرامه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك.
رحم الله أموات المسلمين وألحقنا بهم على العمل الصالح.. آمين.