مساحة إعلانية
استيقظت ذات صباح، وأثناء ذهابها لتغتسل مرت من أمام المرآة مروراً عابراً، ولكن بطرف عينيها لمحت ما جعلها تقف مذهولة.. وجدت أن ملامحها قد تبدلت تبدلاً كبيراً جعل الدهشة تعصف بكيانها؛ فأمسكت بهاتفها لترى تاريخ اليوم، وهالها ما رأته؛ فهناك ثلاثون عاماً كاملة لم تعرف عنها شيئاً ولكنها مرت بالفعل.. عادت لمرآتها وتلمست جلد وجهها المليء بالتجاعيد، بيد مرتعشة وعيون مفزوعة، وسألت نفسها بصوتٍ مسموعٍ: ما هذا؟! من تكون هذه العجوز؟! وأين أنا منها؟! أين ذهب وجهي، وكيف سكنني هذا الوجه العجوز بنظرات الحزن المستقرة بعينيه؟!
لم تكن الفاجعة في سرقة سنين عمرها فحسب، بل في ذلك الدهس المنظم الذي تعرض له ضميرها كمجني عليها طوال ثلاثون عاماً؛ حيث نجح الجناة في استغلال طُهرها وصدق نواياها لسنوات طويلة، مخدّرين وعيها ومزيّفين إرادتها، حتى استسلمت لهم تماماً دون أدنى مقاومة من جانبها.
إن هذا الوجه الغريب لم يكن يعكس قسوة الزمن، بل كان يجسد انكسار الضمير الذي أُكره على الصمت حتى تآكل الحاضر وزال الماضي؛ لتجد نفسها الآن في مواجهة مجهول مرعب، لا تخاف فيه من بطش جلاديها بقدر ما تخاف من عجز ذاتها التي شاركت في تدمير نفسها حين غابت عن الوعي طويلاً.. لم تقف أمام صدمتها كثيراً وذهبت لتغتسل، فتحت باب الحمام ونادت بصوت عالٍ: أمي، ناوليني المنشفة لقد نسيتها! لم يرد عليها أحد.. خرجت والمياه تتساقط منها وأحضرت المنشفة لنفسها، وأثناء ذلك لمحت على الحائط صورة أمها، ولكن هالها ما وجدته عليها؛ إنه الشريط الأسود الذي يوضع على صور الموتى! فتحت عينيها على آخرهما في ذهول وقالت بنبرة يملؤها الفزع: كيف ومتى حدث ذلك؟! أين أمي، وكيف رحلت، وكيف لا أتذكر أي شيء يخص ذلك؟!
أسرعت بكف مرتعشة لتمسك بهاتفها، متشبثة بأمل أخير يربطها بالواقع، ونظرت في سجل المكالمات لتبحث عن آخر رقم اتصل بها أو اتصلت به، ولكن الغريب الذي زلزل أركان بصيرتها أنها وجدت السجل فارغاً تماماً؛ وكأن تاريخها مع البشر قد مُحي بجرة قلم، أو كأنها كائن خُلق اللحظة بلا روابط ولا امتداد!
ارتدت ملابسها على عجل لكي تخرج وتفر من جدران غرفتها الموحشة، وخلال نزولها على السلم تفاجأت بدرجات البناية وكأنها قد نخر فيها السوس وتهالكت تماماً، بل إن أغلبها قد تكسر وتهاوى لتبدو السلالم أشبه بخرائب شاهدة على زمن انقضى في غيبتها، وغدا النزول عليها يعد درباً من المجازفة المستميتة.
وفي الشارع، اصطدمت بفيضان من البشر؛ وجوه كثيرة تتزاحم وتمر من حولها كالأشباح، أغلبها لا تعرفها ولا تتذكر ملامحها، وبالتالي تعقد لسانها عن تذكر أسمائهم؛ لقد أصبحت غريبة في وطنها، منبوذة في زمانها.. استوقفت سيارة أجرة لعلها تلوذ من هذا الضياع الصاخب، فركبت، وسألها السائق بنبرة جامدة: إلى أين يا أستاذة؟
صمتت تماماً، ووقع السؤال في أذنيها كدوي الرعد، وجاهدت في سبر أغوار ذاكرتها المنهوبة لكي تتذكر إلى أين ستذهب، أو أين يقع مستقرها؟ تكرر عليها السؤال مرة تلو الأخرى وهي شاردة العقل، واجمة الملامح، تكاد لا تسمع ولا ترى أي شيء أمام عينيها من هول الفراغ المطلق الذي ابتلع ماضيها وحاضرها، وتركها معلقة في مهب المجهول.
هنا اتخذت قراراً مباغتاً أصاب السائق بالذهول والدهشة من تصرفها الغريب بعد أن طلبت منه أن يتوقف , فقد مدت يدها بهدوء وثبات، وفتحت باب السيارة ونزلت منها وهي في غمرة شتاتها.. واتخذت طريق العودة بخطى وئيدة منكسرة؛ عادت إلى البناية المتهالكة بسلمها المتهاوي، وشقتها التي صارت موحشة وغريبة عنها برغم أنها كانت مسقط رأسها منذ أن ولدت فيها.. فغياب عام واحد جدير بخلق حائط سميك من الجفاء والوحشة بينك وبين أي عزيز لديك، فما بالك بثلاثين عاماً كاملة دُهس فيها الوعي واقتُلع فيها الضمير كمجني عليها؟!
فتحت باب الشقة ودخلت بخطى تائهة، ثم ارتمت على أول مقعد قابلها في ركن الصالة، وأرجعت رأسها إلى الوراء ساندة إياه على ظهر المقعد، ونظرت نحو السقف نظرات باهتة لا حياة فيها ولا بريق.. كانت تجاهد وتحاول عبثاً تذكر ما حدث خلال تلك السنين الثلاثين العجاف، ولكن بلا جدوى؛ فالذاكرة نُهبت والماضي تآكل بالكامل.. مدت يدها الواهنة وأمسكت بكوب ماء كان موضوعاً بجانبها، تجرعت منه القليل لتبل عروقها الجافة، ثم أعادته إلى مكانه واستأنفت نظرها المركز نحو السقف.. وما هي إلا ثوانٍ معدودات، حتى جاء من أراحها أخيراً وفك أسرها من وهم الماضي الراحل، وقلق الحاضر المسروق، والخوف الجاثم من المجهول؛ فقد صعدت روحها المكلومة لبارئها، معلنة الوفاة لجسد صمد طويلاً بعد أن مات وعيه وعمره منذ زمن.