مساحة إعلانية
بقلم: د. زبير سلطان ربّاني
كاتب في الفكر والهوية وقضايا الإنسان والتحولات الحضارية
تتصل السياسة في التصور الإسلامي برسالة الإنسان في عمارة الأرض وإقامة العدل ورعاية المصالح، وتستمد هدايتها من شريعة شاملة تنظم شؤون الفرد والمجتمع والدولة. وقد جعل القرآن أداء الأمانات والحكم بالعدل من أصول المسؤولية العامة (النساء: 58)، وأكدت السنة أن الولاية رعاية تستوجب المساءلة، كما في قوله ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (البخاري، رقم 893؛ مسلم، رقم 1829). وفي عالم تتسارع تحولاته وتتداخل تحدياته، تتجدد حاجة المسلمين إلى فكر سياسي يجمع رسوخ المرجعية ورحابة الاجتهاد ودقة فهم الواقع، ويستثمر المقاصد الشرعية في بناء القرار ورعاية مصالح الناس. وتنهض هذه الدراسة على استجلاء الأصول الحاكمة لهذا التجديد، وقراءة إشكالات الفكر والممارسة، وبيان منهج صناعة القرار وفاعليته في السياسات العامة.
وفيما يلي تتناول الدراسة هذه القضايا عبر محاور مترابطة، تتدرج في بنائها الفكري وتتضافر في بيان معالم التجديد السياسي في ميزان الشريعة:
(أولًا): مرجعية الشريعة وآفاق التجديد السياسي
1. السياسة في رحاب الهداية والتكليف
تستمد السياسة الشرعية أصلها من شمول الإسلام للحياة، ومن خضوع شؤون الحكم والتدبير لهداية الوحي. وقد قرر القرآن مرجعية الله ورسوله في الفصل في النزاع بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النساء: 59). ويؤسس هذا التوجيه لارتباط الاجتهاد السياسي بالأدلة الشرعية، ويجعل صلاح الولاية متصلًا بأداء الحقوق وإقامة العدل ورعاية المصالح المعتبرة.
وقد تناول علماء الإسلام السياسة ضمن أبواب الإمامة والولايات والقضاء والحسبة والمال العام، وبيّنوا ما يتصل بها من أحكام ومسؤوليات. وقرر ابن تيمية أن «ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها؛ فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس» (ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ص237). وتكشف هذه الرؤية عن مكانة السياسة في البناء الإسلامي؛ إذ تتصل بإقامة الدين، وانتظام مصالح الناس، وتحقيق العدل، وحسن تدبير الحياة المشتركة.
2. ثبات الأحكام ورحابة الاجتهاد
ويفتح رسوخ المرجعية مجالًا واسعًا للاجتهاد في المسائل التي تتعدد فيها الأنظار والوسائل. فالأحكام القطعية تمنح الفكر السياسي ثوابته، بينما تتسع الأحكام الاجتهادية والتنظيمات الإدارية والسياسات العامة لاختيارات تراعي اختلاف الأحوال وتنوع المصالح المعتبرة. وقد أفرد ابن القيم فصلًا لتغير الفتوى واختلافها بحسب الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، بما يبرز أهمية تغير المناط والظروف في الفهم والتطبيق (ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج1، ص41).
وتتجلى هذه الرحابة في تنظيم المؤسسات، وتوزيع الاختصاصات، وآليات الرقابة، وإجراءات الشورى، وأساليب إدارة الموارد. فهذه المجالات تستوعب الخبرة الإنسانية والتطوير المؤسسي، وتخضع في اختيار وسائلها لمعيار المشروعية وتحقيق المصالح المعتبرة. وبذلك يصبح التجديد قدرةً على استثمار المتاح من الوسائل والخبرات في خدمة الأحكام والغايات الشرعية.
3. المقاصد ووحدة البناء الشرعي
وتمنح المقاصد الاجتهاد السياسي بصيرته الكلية؛ إذ تكشف الغايات التي راعتها الشريعة في أحكامها، وتعين على فهم الجزئيات في ضوء كلياتها، وترتيب المصالح عند التزاحم. وقد بيّن الشاطبي مراتب المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية، وجعل حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل من أصول الضروريات التي يقوم عليها صلاح الحياة (الشاطبي، الموافقات، ج2، ص17).
وتبرز أهمية هذا البناء في القضايا السياسية المركبة؛ إذ تتداخل مصالح الأفراد والجماعات، وتتزاحم حاجات الحاضر ومتطلبات المستقبل. فحفظ المال يتصل بعدالة الكسب والتداول والإنفاق، وحفظ النفس يتصل بالأمن والصحة والقضاء، وحفظ العقل يتصل بالتعليم والمعرفة. وتؤدي المقاصد هنا وظيفةً تفسيريةً وترجيحيةً داخل البناء الشرعي، بما يعين على إدراك الغايات الجامعة للأحكام وتوجيه الاجتهاد نحو تحقيقها.
4. الواقع والمآلات في ميزان الاجتهاد السياسي
وتكتمل حركة الاجتهاد بمعرفة الواقع الذي تتوجه إليه الأحكام والسياسات. فالحكم على الواقعة يقتضي تصورها تصورًا صحيحًا، ومعرفة ظروفها وأطرافها وقدراتها وآثارها المحتملة. ومن هنا تبرز أهمية تحقيق المناط، والاستعانة بأهل الاختصاص، وجمع المعلومات الموثوقة، ودراسة البدائل المتاحة.
وقد قرر ابن القيم والشاطبي اعتبار مآلات الأفعال في الاجتهاد، وبيّن الشاطبي أن «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا» (ابن القيم، إعلام الموقعين، ج1، ص58؛ الشاطبي، الموافقات، ج3، ص228). ويشهد لهذا الأصل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام: 108)، وقوله ﷺ لعائشة رضي الله عنها: «لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم» (مسلم، رقم 1333). ويكشف الشاهدان عن اعتبار ما يترتب على الأفعال من آثار، ومراعاة أحوال الناس عند اختيار الوسائل المشروعة؛ وهو ما يعين الاجتهاد السياسي على تقدير نتائج السياسات، وترجيح البدائل التي تحقق المصالح المعتبرة ضمن ضوابط الشريعة.
وعلى هذا الأساس، تتحدد العلاقة بين عناصر الاجتهاد السياسي: الشريعة مرجعية حاكمة، والمقاصد هادية إلى فقهها، والواقع محل تطبيقها، والمآلات معتبرة في تقدير القرار. ويهيئ هذا الميزان لقراءة التجربة السياسية لدى المسلمين، واستجلاء ما يعتري الفكر والممارسة من إشكالات في التعامل مع التراث والنصوص وتحولات الواقع.
(ثانيًا): الفكر السياسي بين الموروث وتحولات الواقع
1. التراث السياسي ووعي التجربة التاريخية
يمثل التراث السياسي الإسلامي رصيدًا ثريًا من الاجتهادات والتجارب التي نشأت في سياقات تاريخية متباينة، وأسهمت في معالجة قضايا الإمامة والولايات والقضاء والمال العام والعلاقات بين الحاكم والمحكوم. وتقتضي الإفادة منه قراءةً تميز بين الأحكام المستندة إلى أدلتها الشرعية، والاجتهادات التي ارتبطت بظروفها، والصور المؤسسية التي صاغتها حاجات المجتمعات وإمكاناتها. فبهذا التمييز تتجدد صلة الفكر بأصوله، وتتسع قدرته على استثمار الخبرة الموروثة في بناء مؤسسات تستجيب لمقتضيات العصر.
وقد نبه ابن خلدون إلى أثر أحوال العمران والعصبية والاقتصاد في نشأة الدول وتحولها، وجعل فهم الاجتماع الإنساني مدخلًا لتفسير الظواهر السياسية (ابن خلدون، المقدمة، ج1، ص9). وتفتح هذه الرؤية مجالًا لقراءة التجربة التاريخية في ضوء ظروفها، مع استحضار الميزان الشرعي الذي تُقوَّم به الممارسات والاجتهادات.
2. تجزئة النصوص وتصدع الرؤية السياسية
وتتصل بطريقة قراءة التراث مسألة أعمق تتعلق بمنهج التعامل مع النصوص الشرعية. فقد يؤدي الاقتصار على أدلة جزئية، مع إغفال سياقاتها وما يكملها من نصوص وقواعد، إلى بناء تصورات سياسية مضطربة؛ فتُستحضر نصوص الطاعة بمعزل عن أحكام العدل والنصيحة، أو تُطرح الشورى في صورة منفصلة عن مسؤولية الولاية وحفظ الجماعة.
وقد جمع القرآن بين أداء الأمانات والحكم بالعدل، ثم أمر بطاعة أولي الأمر ورد التنازع إلى الله والرسول (النساء: 58–59). ويؤسس هذا التتابع لرؤية تتكامل فيها المسؤولية والطاعة والمرجعية الشرعية. كما جاء قوله ﷺ: «الدين النصيحة»، وذكر من جهاتها «ولأئمة المسلمين وعامتهم» (مسلم، رقم 55)، ليقرر مكانة النصح في صلاح العلاقة بين السلطة والمجتمع. وتقتضي سلامة النظر جمع الأدلة في موضوعها، وفهمها وفق قواعد الأصول، ومراعاة مراتبها ودلالاتها ومقاصدها.
3. تحولات الواقع وضغط المفاهيم المعاصرة
وتزداد الحاجة إلى هذا المنهج مع اتساع التحولات التي شهدتها المجتمعات الإسلامية؛ فقد تغيرت بنية الدولة، وتعقدت العلاقات الاقتصادية، وتنامى دور المؤسسات، واتسعت مجالات الاتصال والتأثير. وأصبحت مفاهيم مثل المواطنة والحوكمة والتمثيل والمساءلة والسيادة حاضرةً في النقاش السياسي، بما يستدعي تحرير دلالاتها، ودراسة صورها، وتقويم تطبيقاتها في ضوء الشريعة.
وتتطلب هذه المهمة معرفةً دقيقةً بالواقع، واستيعابًا للخبرات الإنسانية، وقدرةً على التمييز بين المفهوم وأشكاله المؤسسية وآثاره العملية. وقد قرر القرآن مبدأ الرجوع إلى أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)، وهو توجيه يؤكد قيمة المعرفة المتخصصة في موضعها. وتتكامل في القضايا السياسية المعاصرة خبرة الفقيه في الحكم الشرعي مع خبرة المختص في فهم الوقائع والأنظمة والآثار.
4. الثابت والمتغير واضطراب الموازين
وتفضي تحولات الواقع إلى ضرورة ضبط العلاقة بين الأحكام الثابتة والمجالات الاجتهادية. ويظهر الاضطراب عندما تُعامل بعض الوسائل التاريخية معاملة الأحكام الملزمة، أو تُمنح المصالح المتوهمة سلطةً تتجاوز الأدلة الشرعية. ويقتضي الاجتهاد الرشيد تحرير محل الحكم، وتحديد مرتبته، ومعرفة مناطه، ثم تقدير ما يتصل به من عرف أو ظرف أو وسيلة قابلة للتطوير.
وقد بيّن ابن القيم أن تغير الفتوى يرتبط باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، في سياق حديثه عن تحقيق العدل والمصلحة التي جاءت بها الشريعة (ابن القيم، إعلام الموقعين، ج1، ص41). ويؤكد هذا المعنى ما قرره الفقهاء في قاعدة «العادة محكَّمة»، إذ يُعتد بالعرف الصحيح في المجالات التي أحالت الشريعة تقديرها إلى ما تعارف عليه الناس، كصور التعامل، ووسائل الوفاء بالالتزامات، وما جرى به العرف في العقود والمعاملات. وقد ميّز الشاطبي بين العوائد التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، والعوائد الجارية بين الناس التي تتبدل بتبدل أحوالهم، وبيّن أن اختلاف الأحكام في هذا المجال يرجع إلى اختلاف الوقائع التي تتنزل عليها الأصول الشرعية، مع بقاء الخطاب الشرعي على أصله (الشاطبي، الموافقات، ج2، ص488). وتستقيم الإفادة من هذه الأصول بتمييز تغير الفتوى أو الحكم الاجتهادي أو التطبيق عن الأحكام الشرعية الثابتة التي لا يتغير حكمها بتغير العرف، وبإخضاع المصالح والوسائل للضوابط الشرعية المعتبرة.
5. السلطة والعدل والشورى في بنية الممارسة السياسية
وتظهر حصيلة هذه الإشكالات في المفاهيم التي توجه الممارسة السياسية. فالسلطة التي تُفهم في ضوء الأمانة تستدعي المسؤولية، والشورى التي تُفهم بوصفها أصلًا في تدبير الشأن العام تقتضي آليات تحقق المشاركة المؤثرة، والعدل الذي يُجعل ميزانًا للحكم يقتضي صيانة الحقوق وإقامة القضاء على الإنصاف.
وقد وصف القرآن المؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، وأمر النبي ﷺ بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159). كما قرر العدل في مواجهة دوافع الخصومة بقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُواۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8). وتمنح هذه الأصول الفكر السياسي معايير تقويمية تتجاوز الشعارات إلى مسؤوليات عملية في إدارة السلطة والمال والحقوق.
وتكشف هذه القراءة أن تجديد الفكر السياسي يرتبط بسلامة فهم الموروث، وتكامل الأدلة، ودقة استيعاب الواقع، وضبط المفاهيم التي توجه الممارسة. ومن هنا تتجه الدراسة إلى المنهج الذي يجمع هذه العناصر في صناعة القرار السياسي، ويمنح الاجتهاد قدرةً على التعامل مع الوقائع المركبة في ضوء الشريعة ومقاصدها.
(ثالثًا): المقاصد وفقه الواقع في صناعة القرار السياسي
1. الحكم الشرعي وبنية القرار السياسي
يبدأ نضج القرار السياسي بتحرير المسألة التي يتناولها، وتحديد حكمها الشرعي، ومعرفة ما يتصل بها من حقوق وواجبات ومصالح معتبرة. فالقرار العام يجمع بين النظر في الحكم، وفهم الواقعة، وتقدير الإمكانات، واختيار الوسيلة المناسبة. وتمنح الشريعة هذه العملية مرجعيتها، بينما يتيح الاجتهاد المنضبط معالجة ما يتجدد من صور الوقائع وتعقيدات التدبير.
وقد جعل القرآن رد التنازع إلى الله والرسول أصلًا في الاحتكام إلى المرجعية الشرعية (النساء: 59)، وأكدت السنة مسؤولية الاجتهاد في قوله ﷺ: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (البخاري، رقم 7352؛ مسلم، رقم 1716). ويبرز الحديث مكانة الاجتهاد المؤهل في معالجة الوقائع، وما يقتضيه من بذل الوسع في طلب الحكم الصحيح. وفي الشأن السياسي تتسع هذه المسؤولية لتشمل حسن اختيار الوسائل المشروعة التي تحمل الحكم إلى واقع الناس.
2. تحقيق المناط واستيعاب الواقع السياسي
وبعد تحرير الحكم تأتي معرفة الواقعة في تفاصيلها؛ إذ تتوقف جودة القرار على دقة المعلومات، وفهم الأطراف المعنية، وتقدير الموارد والقدرات والظروف المحيطة. ويؤدي تحقيق المناط وظيفةً مركزيةً في هذا المجال، من خلال التحقق من وجود الوصف الذي علق عليه الحكم، واستيعاب ما يحيط بالواقعة من ملابسات مؤثرة في تطبيقه.
وقد قرر الغزالي وغيره من علماء الأصول مشروعية الاجتهاد في تحقيق المناط، وبيّنوا أن معرفة الحكم الكلي تستدعي التحقق من انطباقه على محله في الوقائع الجزئية (الغزالي، المستصفى، ص282؛ ابن قدامة، روضة الناظر وجنة المناظر، ج2، ص145). وتتأكد ضرورة هذا الاجتهاد في استيعاب الواقع السياسي، بما يشتمل عليه من تشابك المصالح، وتعدد الأطراف، وتفاوت القدرات، وتداخل المعطيات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية والتقنية؛ إذ يتوقف حسن تنزيل الأحكام على إدراك حقيقة الوقائع السياسية، وتحديد أوصافها المؤثرة، وتمييز ما يعتريها من ظروف وملابسات. فالقضايا المتعلقة بالأمن أو المال العام أو العلاقات الدولية تقتضي تصورًا دقيقًا لطبيعتها، ومعرفةً بأطرافها وإمكاناتها والظروف المحيطة بها، حتى يقع الاجتهاد على محلّه الصحيح. ومن ثم، تتكامل خبرة الفقيه في تحرير الحكم مع خبرة المختص في توصيف الواقع، ويصبح جمع البيانات الموثوقة والاستعانة بأهل الاختصاص ضرورةً منهجيةً لإعداد القرار السياسي الرشيد.
3. المصالح والأولويات ودقة الموازنة
وتقود معرفة الواقع إلى ترتيب المصالح التي يتوجه القرار إلى رعايتها. فالمصالح تتفاوت في مراتبها، وتتباين في سعتها ودرجة الحاجة إليها، وقد تتزاحم في بعض الوقائع بما يستدعي موازنةً دقيقةً بين ما يُحصَّل وما يُفوَّت. وقد قرر علماء الأصول والفقه أن الشريعة جاءت بجلب المصالح ودرء المفاسد، وبيّنوا تفاوت المصالح في مراتبها، وأهمية الترجيح بينها عند التزاحم، وتقديم الأرجح منها وفق الضوابط الشرعية المعتبرة (الغزالي، المستصفى، ص174؛ العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج1، ص7؛ القاضي أبو يعلى، العدة في أصول الفقه، ج3، ص996؛ الشاطبي، الموافقات، ص5؛ ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ج2، ص267).
وتظهر هذه الموازنة في توزيع الموارد العامة، وترتيب المشروعات، وتقدير الحاجات العاجلة، واختيار السياسات التي تحقق أوسع نفع معتبر. ويقتضي ذلك النظر في درجة المصلحة، وعدد المنتفعين بها، وحجم الحاجة، والقدرة على التنفيذ، وما قد يترتب على الاختيار من آثار. وتبقى الموازنة محكومةً بالأدلة والقواعد الشرعية، بما يمنح القرار اتزانًا يجمع سلامة المقصد ودقة التقدير.
4. البدائل والمآلات ورشد الاختيار
وتتقدم صناعة القرار خطوةً أخرى ببناء البدائل الممكنة، ودراسة ما يميز كل بديل من حيث المشروعية والجدوى والآثار المتوقعة. فتنوع الوسائل المشروعة يتيح للمؤسسات اختيار ما يلائم ظروفها وقدراتها، ويمنح الاجتهاد مجالًا أوسع لتحقيق المصالح المعتبرة.
وتكتسب الموازنة بين البدائل عمقها من اعتبار المآلات، الذي أصّله علماء الشريعة في مباحث المصالح والمفاسد والذرائع؛ إذ يقتضي النظر في النتائج القريبة والبعيدة، وتقدير احتمالات النجاح والتعثر، ومراعاة ما قد ينشأ عن القرار من مصالح أو مفاسد (ابن القيم، إعلام الموقعين، ج1، ص58؛ الشاطبي، الموافقات، ج3، ص228). وتعين الدراسات المتخصصة، والتجارب المقارنة، والتقديرات المبنية على البيانات، على ترجيح البديل الأنسب ضمن حدود الشريعة، بما يجمع سلامة الاختيار وحسن تقدير عواقبه.
5. الشورى والاجتهاد المؤسسي ونضج القرار
وتكتمل هذه العملية في إطار مؤسسي يجمع العلم والخبرة والشورى والمسؤولية. فقد أمر الله تعالى نبيه ﷺ بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159)، وجعل الشورى من صفات المؤمنين بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38). وتؤسس هذه الهداية لمشاركة أهل الرأي والخبرة في تدبير الشأن العام، بما يعين على استكمال التصور، وتوسيع النظر في البدائل، وترشيد الاختيار.
وتتجسد الشورى المؤسسية في إجراءات واضحة لتحرير المسألة، واستحضار الأدلة، وجمع المعلومات، والاستماع إلى المختصين، وموازنة البدائل، واتخاذ القرار، ثم متابعة التنفيذ وتقويم النتائج. ويمنح هذا البناء الاجتهاد السياسي قدرةً على الاستفادة من تعدد الخبرات، ويعزز المسؤولية والشفافية وإمكان المراجعة والتصحيح.
وبذلك تتشكل صناعة القرار في مسار متكامل يجمع صحة الحكم، ودقة تصور الواقع، وترتيب المصالح، وحسن تقدير المآلات، ونضج الشورى المؤسسية. وتظهر قيمة هذا المنهج في قدرته على توجيه السياسات العامة، حيث تتحول المبادئ الشرعية إلى اختيارات عملية تمس حياة الناس ومصالحهم اليومية.
(رابعًا): المقاصد وفاعلية السياسات العامة
تبلغ المقاصد الشرعية مداها العملي في السياسات التي ترعى مصالح الناس، وتصون حقوقهم، وتوجه موارد المجتمع نحو حاجاته وأولوياته. وتكتسب السياسة العامة رشدها من اجتماع المشروعية وحسن التدبير، ومن قدرتها على تحويل المبادئ إلى برامج ومؤسسات وإجراءات قابلة للتنفيذ والتقويم. وفي هذا المجال تتجلى أهمية النظر المقاصدي في وصل الغايات الشرعية بحاجات العمران، مع مراعاة اختلاف القطاعات وتكامل وظائفها.
1. الاقتصاد والمال العام وعدالة العمران
يشكل المال أحد مقومات العمران، وتتصل رعايته بحفظ الملكية المشروعة، وتنمية الموارد، وعدالة التداول، وصيانة المال العام. وقد قرر القرآن أصل التراضي في المعاملات بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (النساء: 29)، كما وجّه إلى مراعاة التوازن في تداول الثروة في سياق بيان مصارف الفيء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (الحشر: 7). وتؤسس هذه النصوص لمبادئ تحكم الكسب والتصرف والتوزيع، وتعين على بناء سياسات اقتصادية تراعي الحقوق والمصالح العامة.
وتتجسد هذه المبادئ في حماية المعاملات المشروعة، ومكافحة الغش والاحتكار المحرم، وتطوير أدوات الرقابة المالية، وترتيب الإنفاق العام وفق الحاجات المعتبرة. وقد تناول علماء الفقه والسياسة الشرعية مسؤولية الدولة عن إدارة الموارد والجباية والإنفاق، وربطوا صلاح المال العام بالعدل وحسن الرعاية، وأكدوا أهمية صيانة الحقوق وتوجيه الموارد إلى المصالح العامة (أبو يوسف، كتاب الخراج، ص57،59؛ الماوردي، الأحكام السلطانية، ص64؛ ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ص17). وتستفيد السياسة المعاصرة من هذه الأصول في بناء موازنات واضحة، وتوجيه الموارد إلى الخدمات الأساسية، وتعزيز النزاهة والكفاءة في إدارة الأموال العامة.
2. التعليم والصحة والأسرة وبناء الإنسان
ويمثل الإنسان غايةً مركزيةً في العمران؛ إذ تتصل جودة الحياة بسلامة العقل والنفس والأسرة، وبالقدرة على التعلم والعمل والمشاركة النافعة. وقد افتتح الوحي رسالته بالأمر بالقراءة (العلق: 1–5)، ورفع منزلة العلم وأهله بقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة: 11). وتوجه هذه الهداية إلى العناية بالتعليم بوصفه سبيلًا لبناء المعرفة والوعي والقدرة على الإسهام في صلاح المجتمع.
وتتصل رعاية النفس بالصحة والوقاية والعلاج، كما تتصل رعاية الأسرة بحفظ الحقوق، وحسن التنشئة، وحماية الفئات الأشد حاجة. وقد قرر النبي ﷺ مسؤولية الرعاية في قوله: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (البخاري، رقم 893؛ مسلم، رقم 1829). وتترجم السياسات العامة هذه المسؤولية إلى خدمات تعليمية وصحية واجتماعية تراعي الجودة والعدالة وإمكان الوصول، وتستثمر الموارد في بناء الإنسان وقدراته.
3. الأمن والقضاء وصيانة العدالة
وتحتاج حياة الناس إلى أمن يصون الحقوق، وقضاء يحقق الإنصاف، ومؤسسات تملك القدرة على حماية المجتمع وفق أحكام الشريعة. وقد جعل القرآن العدل أصلًا في الحكم بين الناس (النساء: 58)، وأمر به حتى في مواضع الخصومة: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8). وتمنح هذه الأصول السياسة الأمنية والقضائية ميزانًا يجمع حماية المجتمع وصيانة كرامة الإنسان.
وتتجسد هذه الرعاية في تطوير إجراءات التقاضي، وضمان حقوق الخصوم، وتأهيل القضاة، وتحسين وسائل الإثبات، وتعزيز كفاءة الأجهزة المختصة، وإخضاع استعمال السلطة للضوابط الشرعية والقانونية المعتبرة. وقد أكد علماء الفقه والسياسة الشرعية أن الولايات إنما شرعت لإقامة الدين وسياسة الدنيا به، وتحقيق العدل وصيانة الحقوق ورعاية مصالح الناس، وهو ما يظهر في مباحثهم المتعلقة بالقضاء والولايات والحسبة (العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج1، ص74؛ الماوردي، الأحكام السلطانية، ص37؛ أبو يعلى، الأحكام السلطانية، ص64-66؛ ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ص237). ويقتضي ذلك بناء مؤسسات قادرة على إنفاذ الحقوق، وحماية المجتمع، وترسيخ الثقة في القضاء والإدارة العامة.
4. الإعلام والتقنية والحوكمة ورشد الإدارة
وتفتح التحولات التقنية والإعلامية مجالات واسعة لتطوير الإدارة والخدمات، كما تفرض مسؤوليات متجددة تتصل بصحة المعلومات، وحماية الخصوصية، وعدالة الوصول إلى المعرفة، وسلامة استخدام البيانات. وقد وجّه القرآن إلى التثبت من الأخبار بقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: 6)، وهو أصل تتسع دلالته في المجال الإعلامي إلى التحقق من المعلومات قبل بناء المواقف والقرارات عليها.
وتستدعي التقنيات الحديثة، ومنها الذكاء الاصطناعي، سياسات تجمع الاستفادة من إمكاناتها مع صيانة الحقوق ومراعاة آثارها الاجتماعية والاقتصادية. كما تتيح الحوكمة الرشيدة تطوير إجراءات الإدارة، وتحديد المسؤوليات، وتعزيز الشفافية، وقياس الأداء، ومراجعة النتائج. وتنسجم هذه المعاني مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58)، إذ تؤسس الآية لمسؤولية القائمين على الشأن العام في أداء الحقوق وإقامة العدل، بما يشمل حسن إدارة الموارد وصيانة المصالح العامة وترسيخ المسؤولية المؤسسية. ويعزز هذا المعنى التوجيه النبوي إلى إتقان العمل، كما في قوله ﷺ: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» (أبو يعلى، رقم 4386؛ حسّنه الألباني، صحيح الجامع، رقم 1880)، بما يحث على إحسان أداء المسؤوليات، وتجويد الخدمات، ومراعاة حقوق الناس.
وتتجلى فاعلية المقاصد في هذه المجالات عبر سياسات تجمع سلامة الغاية ومشروعية الوسيلة وجودة التنفيذ. فالعمران يحتاج إلى اقتصاد عادل، والإنسان يحتاج إلى تعليم وصحة ورعاية، والمجتمع يحتاج إلى أمن وقضاء منصف، والدولة تحتاج إلى إدارة رشيدة تستثمر المعرفة والتقنية في خدمة الناس. وبهذا تتكامل وظائف السياسة العامة في بناء حياة تصان فيها الحقوق، وتُرعى فيها المصالح، وتُوجَّه فيها الإمكانات نحو الخير العام.
ختامًا،
يكشف النظر في مسارات التجديد السياسي لدى المسلمين أن رسوخ المرجعية الشرعية يمنح الفكر ميزانه، وأن رحابة الاجتهاد تفتح أمامه آفاقًا واسعة لاستيعاب التحولات وتطوير الوسائل والمؤسسات. وتؤدي المقاصد دورها في جمع الجزئيات ضمن غاياتها الشرعية، بينما يمنح فقه الواقع والمآلات القرار قدرةً على التعامل مع الوقائع المركبة، وترتيب المصالح، وحسن اختيار البدائل.
وتتأكد قيمة هذا البناء في الممارسة؛ حيث تتحول الأمانة إلى مسؤولية مؤسسية، والشورى إلى مشاركة مؤثرة، والعدل إلى حقوق مصونة، والمقاصد إلى سياسات ترعى الإنسان والعمران. وتغدو الخبرة الإنسانية موردًا نافعًا للاجتهاد، وتصبح المؤسسات مجالًا لتجسيد القيم الشرعية في إجراءات واضحة ونتائج قابلة للتقويم.
إن تجديد الفكر السياسي في ميزان الشريعة هو تجديد لقدرة المسلمين على فهم هداية الوحي، وفقه زمانهم، وبناء قرارات ومؤسسات تحقق العدل وتصون الحقوق وترعى المصالح. وفي هذا التكامل تتجدد فاعلية الفكر، وتتسع آفاق العمران، وتبقى الشريعة منارةً تهدي حركة الإنسان والمجتمع والدولة.