مساحة إعلانية
يزعجني دائما أننا نكره الفرسان ونرغب في كسرهم , لماذا يكره المصريون أبطالهم ولماذا يكسرون فرسانهم في مصر؟ نجد أبطال مثل أحمد شوقي, أحمد عرابي, محمد كريم , سعد زغلول ,جمال عبدالناصر, طه حسين , محمد عبدالوهاب ,سيد درويش , أنور السادات , حتى البطولات مثل انتصارات أكتوبر كل هؤلاء النجوم وكل هذه البطولات طالتها الاتهامات وحملات التشويه والعديد من الأبطال ليس آخرهم محمد صلاح , البطل العالمي أو الاسطورة محمد صلاح , النموذج محمد صلاح ليس لاعب كرة بل سفير مصر والعرب والمسلمين في بلاد كانت ترى العربي المسلم متطرفا وهمجيا إرهابيا وأسير شهواته و نزواته الجنسية وانفلاته الأخلاقي أول ما تطأ قدماه أرض الفرنجة كما نقول .
محمد صلاح قدم النموذج الحضاري المصري العربي المسلم المراعي للقيم والأعراف النظيف العفيف المتواضع البر بأهله المعتز بوطنه المكافح الطموح الذكي اللبق الذي يراعي أكل عيشه وقيم البلد الذي يستضيفه المتزن نفسيا وعقليا الملتزم دينيا التزام المصريين لا تشدد ولا تطرف الخجول الذي لم تلوث سمعته ولم يتسخ ثوبه بما يشين .
للأسف انقسم مجتمعنا إلى أبواق للتطرف والتشدد والتحجر الديني فأصبح لدينا أقوام يشعلون الحرائق في كل شيء جميل باسم الدين الواحد منهم وزنه مائة وخمسون كيلو جرام ويعاني من سوء الهضم و ترهل الكرش والأرداف والثديين وضيق تنفس وضعف في كل شيء ويتحدث عن لاعب كرة ثلاثة وثلاثون عاما ولا نزال نراه تبارك الله وما شاء الله يجري طوال المباراة ويقف ممشوق القوام كالرمح نحاكمه ونحاسبه على أخطاء في تفكيرنا لا في الواقع أن الرياضة لعب ولهو وعبث وأنه مجرد لاعب كرة لا هو طبيب ولا عالم ولا جندي ولا كذا ولا كذا بل ونحرم عليه الرياضة وما يجنيه من أرباح منها ونسوا أنها صناعة وتجارة وسياحة واقتصاد وتوظيف فرص عمل وتحريك أسواق واقتصادات راكدة .
يحاكمون هذا اللاعب الذي قدم للعرب ما لم يقدمه رجال الدين من صورة مشرقة للمسلم السمح الخلوق الحيي الملتزم ربما هذا ما دفع المتشددين لكراهيته حيث يجمع صلاح بين التدين , كالسجود بعد الأهداف , والاندماج العصري في ثقافة عالمية وهي ثقافة الاحتراف في أوروبا وهذا الازدواج ربما كان هو أصل الإشكال عندهم حول مفهوم الالتزام الديني فهم يرون الدين في صورة نمط واحد صارم مظهر محدد وسلوك اجتماعي محدد و مواقف علنية محسوبة بدقة بينما صلاح يعيش حياة طبيعية يشارك في مناسبات عامة تخص المجتمع الذي يلعب فيه أو يعمل ويأكل عيشه فيه وعليه أنا يشاركهم في أعيادهم أو فعالياتهم الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية فهو يقدم نفسه كلاعب ولم يقدم نفسه أبدا كـداعية لذلك هم غاضبون لأنه لا يمثل النموذج الذي يريدونه ويرون احترافه جعله جزءًا من منظومة ثقافية أوروبية مختلفة عن ثقافتنا ويرون هذا تنازلاً ثقافيًا، حتى لو لم يكن هذا تنازلا في الحقيقة ولأنه مشهور سيحاكمونه على أي تصرف بسيط منه مع أنه تصرف عادي من شخص عادي لم يزعم أنه شيخ أو داعية أو رجل دين لكنهم للأسف سيحاسَبونه دائما كأنه رمز ديني، لا لاعب كرة ومع أنهم يرفضون اعتباره قدوة ولا مثلا أعلى سيتعاملون معه كقدوة ومثل أعلى يجب أن يكون كما يريدون ويحاسبونه ويحاكمونه على ما كانوا يتوقعون منه أو يريدون في حين كان صلاح الذي لا يرضى عنه المتشددون يمارس تدينه بشكل شخصي سجود، أخلاق، تواضع ولا يخوض في خطاب ديني مباشر صلاح قدم نفسه كلاعب كرة لكنهم بعض يريدونه شيخا يصرّح ويُفتي ويُوجّه الجماهير و يرون صمته في القضايا والمواقف نقصًا وعيبا يدينه ويشينه مع أن صمته حقه الطبيعي واختياره وقراره لم يدركوا حتى اليوم أنه ليس مشروعًا دينيًا مطلوب منه إدخال الناس في دين الله أفواجا بل هو لاعب كرة ناجح وإنسان له اختياراته إنسان متدين تدين معتدل ككل المصريين قدم صورة إيجابية في كثير من الجوانب (أخلاق، تواضع، أعمال خيرية) إنسان عادي يرى التدين تجربة إنسانية مرنة معتدلة متسامحة تتجاور وتتحاور مع المختلفين معها بكل سماحة وسلام .
وربما صعدت موجة العدوانية ضده خلال التصعيد في غزة، حين نشر صلاح رسالة إنسانية دعا فيها إلى وقف العنف وإدخال المساعدات وحماية المدنيين وهذا كان خطابا إنسانيًا عامًا، لا سياسيًا حادًا. لكن كانت توقعات الجماهير عالية من نجم بحجمه كرمزً عالميً وصوت مؤثرً.
كانوا ينتظرون موقفا أكثر وضوحًا وانحيازًا صريحًا وعندما جاء الخطاب “متوازنًا”، تمت مقارنة صلاح بنجوم مثله ، رغم اختلاف السياقات والضغوط والبيئات التي يعملون فيها ونظرا لحساسية العرب تجاه القضية رأوه مقصرا حتى لو لم يكن كذلك حيث لم ينظروا الى طبيعة موقعه في أوروبا كلاعب في نادٍ كبير مثل ليفربول يخضع لضغوط إعلامية وتجارية ويتحرك في بيئة شديدة الحساسية سياسيًا
وهذا غالبًا يدفع النجوم إلى خطاب عام , وتجنب الاصطفاف الحاد مع أن بيانه كان مسؤولًا ومتزنًا وركّز على الجانب الإنساني بدل التسييس وتجنب تعقيد موقفه أو الإضرار بمسيرته إلا أن المصريين والعرب مازالوا يحكونه كأنه زعيم سياسي ومناضل حقوقي .
التأثير الثقافي لمحمد صلاح في إنجلترا تأثير ناعم ومتدرّج أحدث تغييرات في نظرة قطاعات من الجمهور للعرب والمسلمين ، خاصة عبر كرة القدم. فقد كسر صلاح الصور النمطية عن العرب والمسلمين صورتهم التي كانت مرتبطة بالتوتر أو الغرابة , لكن صلاح عندما صار نجمًا محبوبًا على نطاق واسع ,نظروا إليه كنموذج رائع شخص بسيط، متواضع، عائلي تحولت الصورة المرعبة عن العرب لصورة الإنسان القريب حتى حضور الدين عند صلاح كان حضورا إيجابيا في المجال العام مثل سجوده بعد الأهداف وصيامه في رمضان أثناء المنافسات والتزامه الهادئ دون صخب نقل صورة للدين الإسلامي صورة سمحة معتدلة غير صدامية فهو يشاركهم أعيادهم الرسمية ومناسباتهم الوطنية دون أدني تحفظ أو خجل مع التزامه الديني في لمحة إنسانية في قبول الآخر بل بعض التقارير تقول بانخفاض نسبي في الخطاب العدائي ضد المسلمين في مناطق مرتبطة بجماهير ليفربول
إن الاحتكاك الإيجابي لجمهور الغرب بنموذج عربي مسلم ناجح ومحبوب , غيّر المشاعر أكثر من أي خطاب نظري ديني لعلماء الدين الرسميين أو الهواة , وصلاح غير صورة البطل الرياضي التي عادةً تكون شخصية ترفيهية فقط إلى صورة البطل الشعبي والنموذج والقدوة للشباب حيث أصبح صلاح بطلًا أخلاقيًا في نظر الكثيرين بما اتصف به من تواضع، التزام، أعمال خيرية ربما نزعم أن صلاح ليس مجرد لاعب بل أصبح جسرا ثقافيا غير مباشر بين الغرب والشرق نزعم أنه ساهم في تحسين صورة العرب دون أن يخوض خطابًا سياسيًا أو دعويًا مباشرًا , وأظن أن ما فعله صلاح لم تفعله خطب كثيرة ولا مقالات مطوّلة حيث قدم نموذجا حيا لا كلاما ولا أفكارا .
قدم صلاح دعما كبيرا للأعمال الخيرية (مستشفيات، مدارس، قرى ورفع اسم مصر عالميًا بشكل غير مسبوق رياضيًا وأصبح قدوة لجيل كامل من الشباب وساهم في زيادة الاهتمام بالاحتراف الخارجي للاعبين المصريين محمد صلاح ليس مجرد لاعب ناجح، بل ظاهرة كروية ورمز وطني و علامة مصرية عالمية جمع بين الإنجاز الرياضي والتأثير الشعبي والحضور العالمي.