2026-09-09 12:26:46
مساحة إعلانية
بقلم / نور يانغ
تشهد تنافسية التجارة الخارجية الصينية تحولا قد لا يكون لافتا للانتباه في ظاهره، لكنه يسير في اتجاه واضح، من تصنيع المنتجات وتصديرها إلى تقديم التكنولوجيا والمعرفة والخدمات اللوجستية والمهنية والحلول المتكاملة. ويشكل معرض الصين الدولي لتجارة الخدمات لعام 2026، المقرر افتتاحه في 9 سبتمبر، نافذة مناسبة لرصد هذا التحول. وستشارك 90 دولة ومنطقة ومنظمة دولية في إقامة الأجنحة وتنظيم الفعاليات، فيما ستشارك أكثر من 1800 شركة حضوريا، من بينها 456 شركة مدرجة ضمن قائمة فورتشن غلوبال 500 وشركات رائدة في قطاعاتها. وفي ظل تصاعد الحمائية وتسارع إعادة هيكلة سلاسل الصناعة العالمية، يبرز سؤال مهم: لماذا لا تزال منصة تتمحور حول تجارة الخدمات قادرة على استقطاب هذا القدر الواسع من المشاركة الدولية؟ الإجابة تتجاوز حدود معرض بعينه، إذ تقف وراءه مسيرة آخذة في التشكل تتحول خلالها القدرات الصناعية التي راكمتها "الصناعة الصينية" إلى نطاق أوسع من "الخدمات الصينية".
ويستند هذا الامتداد أولا إلى قاعدة صلبة من تجارة السلع. ففي الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري، بلغ إجمالي تجارة الصين في السلع نحو 4.44 تريليونات دولار أمريكي، بزيادة 17.3% على أساس سنوي، منها نحو 2.57 تريليون دولار من الصادرات، بزيادة 14%، ونحو 1.87 تريليون دولار من الواردات، بزيادة 22%. ورغم تزايد حالة عدم اليقين في البيئة الاقتصادية والتجارية العالمية، حافظت الصادرات والواردات على وتيرة نمو سريعة نسبيا، وهو ما يجعل من الصعب تفسير تنافسية التجارة الخارجية الصينية بمنطق انخفاض تكاليف الإنتاج التقليدي وحده. فمنظومة التصنيع الضخمة، والقدرة المستقرة على الإمداد، والسوق فائقة الحجم، وشبكات الخدمات اللوجستية والتجارية التي تربط الداخل بالخارج، تشكل مجتمعة أساسا لمواجهة التقلبات الخارجية. كما أن نمو الواردات بوتيرة أسرع بوضوح من الصادرات يؤكد أن الصين ليست موردا رئيسيا للسلع العالمية فحسب، بل هي أيضا سوق طلب آخذة في الاتساع.
ويظهر التحول بصورة أوضح في هيكل الصادرات. فقد بلغت صادرات الصين من المنتجات الميكانيكية والكهربائية خلال الأشهر السبعة الأولى نحو 1.64 تريليون دولار أمريكي، بزيادة 21.2% على أساس سنوي، وشكلت 63.8% من إجمالي الصادرات، بارتفاع قدره 3.8 نقاط مئوية مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وفي يوليو، تجاوز نمو صادرات المنتجات عالية التقنية، بما فيها الروبوتات الصناعية والطابعات ثلاثية الأبعاد، 50% على أساس سنوي، وأسهمت هذه المنتجات بنحو 60% من الزيادة المسجلة في صادرات الشهر. وكلما ازدادت المنتجات تعقيدا، أصبح من الصعب أن تبقى المنافسة محصورة في عملية الإنتاج نفسها. فدخول روبوت صناعي إلى مصنع في الخارج يتطلب غالبا تكييف البرمجيات والتدريب الفني والتركيب والتشغيل التجريبي وتوفير قطع الغيار والصيانة الطويلة الأجل. كما أن دخول منظومة من معدات الطاقة الجديدة إلى دولة أخرى يحتاج إلى التصميم والتمويل والخدمات اللوجستية والتصديق والتشغيل والصيانة. ومع انتقال قطاع التصنيع نحو المستويات المتوسطة والعليا من سلسلة القيمة، تنتقل معه بصورة طبيعية مجموعة من الخدمات الإنتاجية إلى الأسواق الدولية.
وقد بدأت بيانات تجارة الخدمات تعكس هذا الاتجاه بوضوح. فمن يناير إلى يوليو، بلغ إجمالي تجارة الصين في الخدمات نحو 656 مليار دولار أمريكي، بزيادة 8.3% على أساس سنوي، فيما بلغت صادرات الخدمات نحو 261.6 مليار دولار، بنمو قدره 17.1%. والأكثر دلالة هو محتوى هذه الصادرات، إذ بلغت صادرات الخدمات كثيفة المعرفة نحو 139.9 مليار دولار، بزيادة 12.2%، وشكلت 53.5% من إجمالي صادرات الخدمات، فيما ارتفعت صادرات رسوم استخدام حقوق الملكية الفكرية بنسبة 42.1%. ومع استمرار ارتفاع حصة الملكية الفكرية والقدرات المهنية والخدمات التقنية في هيكل صادرات الخدمات، يتغير مركز الثقل في المنافسة التجارية الخارجية أيضا. فلم يعد التنافس يدور فقط حول كمية المنتجات التي يمكن تصنيعها أو السعر الذي يمكن بيعها به، بل يشمل كذلك القدرة على إنتاج المعرفة بصورة مستمرة، وحل المشكلات المعقدة، وتقديم خدمات ترافق المنتج على امتداد دورة حياته كاملة.
ولا تزال تنافسية الصين في تجارة الخدمات في طور النمو. فقد سجلت تجارة الخدمات خلال الأشهر السبعة الأولى عجزا بلغ نحو 132.8 مليار دولار أمريكي، لكنه انخفض بنحو 26 مليار دولار مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وتوضح هذه الأرقام أن "الخدمات الصينية" ليست مسارا اكتمل بعد. فمقارنة بالدول القوية عالميا في تجارة الخدمات، لا تزال الصين بحاجة إلى تعزيز قدراتها في بعض مجالات الخدمات المهنية المتقدمة. غير أن المزايا الصناعية التي تراكمت من خلال تجارة السلع توفر اليوم شروطا مواتية لسد هذه الفجوة. وقد أوضحت وزارة التجارة الصينية أنها ستدفع صادرات خدمات البحث والتطوير والتصميم والفحص والصيانة ولوجستيات سلاسل الإمداد بالاستفادة من مزايا قطاع التصنيع، إلى جانب تعزيز القدرة الدولية للخدمات المهنية في مجالات التمويل والقانون والاستشارات والمحاسبة والملكية الفكرية. ويتضح من ذلك مسار واضح يقوم على تحويل القدرة التنافسية للمنتجات إلى قدرة على تقديم الخدمات عبر سلاسل الصناعة.
وتخفض التكنولوجيا الرقمية بدورها كلفة انتقال هذه القدرات عبر الحدود. فالتطور في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والإنترنت الصناعي يتيح تنفيذ بعض خدمات التصميم والتشخيص والتشغيل والصيانة والاستشارات، التي كانت تتطلب في السابق وجود فرق بشرية لفترات طويلة في المواقع الخارجية، عبر منصات رقمية وعبر الحدود. كما تجعل تحليلات البيانات إدارة سلاسل الإمداد وجدولة الخدمات اللوجستية وخدمة العملاء أكثر دقة. ومع تزايد اندماج التصنيع بالخدمات الرقمية، تتغير أيضا طريقة مشاركة الشركات الصينية في المنافسة الدولية، إذ لم يعد ما تصدره مجرد المعدات نفسها، بل قد يكون منظومة حلول متكاملة تجمع بين الأجهزة والبرمجيات والمعايير والدعم الفني وخدمات التشغيل. وهذا التداخل بين تجارة الخدمات والتصنيع المتقدم أصبح من الآليات المهمة التي تدفع تنافسية التجارة الخارجية نحو مستويات أعلى من سلسلة القيمة.
ويمثل معرض تجارة الخدمات الحالي نافذة مباشرة لرصد هذه القدرة. فإلى جانب إقامة منطقة “الخدمات الصينية” للمرة الأولى في المنطقة الأساسية للمعرض الرئيسي، تخصص الدورة الحالية أيضا مناطق "خدمات التوسع إلى الخارج" ضمن عدد من المعارض المتخصصة، تجمع مؤسسات مهنية تعمل في مجالات التمويل والقانون والمحاسبة والملكية الفكرية والموارد البشرية والخدمات اللوجستية، إضافة إلى تنظيم أكثر من 40 فعالية وعرضا ترويجيا لتقديم دعم مهني أكثر تكاملا للشركات الراغبة في التوسع في الأسواق الدولية. فخروج الشركات إلى الخارج لم يعد يعني ببساطة شحن السلع إلى الأسواق الأجنبية، بل يتطلب التعامل مع القوانين والضرائب والمعايير وأنظمة الملكية الفكرية وبيئات المواهب المختلفة في كل دولة. ومن ثم، فإن القدرة على بناء شبكة خدمات تغطي هذه الحلقات تؤثر مباشرة في عمق مشاركة شركات أي دولة في النشاط الاقتصادي العالمي.
كما تتجسد القدرة على التعاون الدولي في اتساع شبكة الشركاء والأسواق. ففي الأشهر السبعة الأولى، بلغ حجم تجارة الصين مع رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” نحو 758.3 مليار دولار أمريكي، بزيادة 20% على أساس سنوي، وبلغ حجم تجارتها مع الاتحاد الأوروبي نحو 541.4 مليار دولار، بزيادة 9.5%، فيما بلغ إجمالي وارداتها وصادراتها مع الدول المشاركة في بناء "الحزام والطريق" نحو 2.27 تريليون دولار، بزيادة 15.5%. كما بلغت تجارة الشركات ذات الاستثمار الأجنبي نحو 1.30 تريليون دولار، بزيادة 17.6%. وتوضح هذه الأرقام أن التجارة الخارجية الصينية لا تقوم على دورة صناعية داخلية مغلقة، بل ترتبط بعمق بشبكات الإنتاج والاستثمار والاستهلاك العالمية. وكما تحتاج الشركات الصينية إلى الأسواق الدولية، فإن شركات الدول الأخرى تستفيد بدورها من السوق الصينية وسلاسلها الصناعية ومنظومة خدماتها للبحث عن مساحات جديدة للتعاون.
ومن هنا تضيف تجارة الخدمات مضمونا أوسع إلى مفهوم الانفتاح. فبينما تتعامل تجارة السلع التقليدية أساسا مع الرسوم الجمركية وتكاليف النقل، ترتبط تجارة الخدمات أيضا بالحركة العابرة للحدود للأفراد ورأس المال والبيانات والمؤهلات المهنية ومعايير القطاعات، وهو ما يضع متطلبات أعلى على البيئة المؤسسية. وتعمل الصين على بناء مناطق نموذجية للابتكار في تجارة الخدمات، وتحسين إدارة القائمة السلبية للتجارة العابرة للحدود في الخدمات، وتسهيل التدفق الآمن والميسر للأفراد والأموال والبيانات وغيرها من العناصر. وتكمن قيمة هذه الترتيبات في خفض تكاليف المعاملات المؤسسية التي تواجهها الشركات الدولية عند دخول السوق الصينية، وكذلك الشركات الصينية عند التوجه إلى العالم، بما يجعل الروابط السوقية قائمة على قواعد أكثر استقرارا وشفافية وقابلية للتوقع.
ومن منظور أبعد زمنيا، لا تعني التحولات التي تشهدها تنافسية التجارة الخارجية الصينية أن "الصناعة الصينية" تنسحب لتحل محلها "الخدمات الصينية"، بل إن المجالين أصبحا يشكلان دعما متبادلا بصورة أوثق. فالمنظومة التصنيعية المتكاملة توفر لصادرات الخدمات سيناريوهات تطبيقية وقاعدة من العملاء، فيما ترفع القدرات الخدمية القيمة المضافة للمنتجات المصنعة، وتعزز قدرتها على التكيف مع الأسواق الخارجية واستمرار حضورها فيها على المدى الطويل. وفي الوقت نفسه، تجذب السوق الصينية فائقة الحجم الموارد العالمية إلى الداخل، ثم تعيد منصات الانفتاح ربط مزيد من فرص التعاون بالعالم. وفي وقت تواجه فيه التجارة العالمية مخاطر الانقسام وارتفاع الحواجز، لم تعد القدرة التنافسية الأكثر ندرة هي القدرة على إنتاج المزيد من السلع بصورة منفردة، بل القدرة على ربط عدد أكبر من الشركاء، وخفض تكاليف التعاون، وخلق قيمة مشتركة. وهذه هي بالضبط الأبعاد الجديدة التي يكشف عنها معرض تجارة الخدمات المرتقب، مع امتداد تنافسية التجارة الخارجية الصينية بصورة متواصلة من "التصنيع من أجل العالم" إلى "خدمة العالم".