مساحة إعلانية
بين كبرياء المنصة الإدارية ووقار الطباشير، فجّرت الجولة الميدانية المفاجئة لمحافظ القليوبية في مدارس كفر الجزار وبرقطا زلزالاً من الشجن والجدل في الشارع المصري، ليُشعل فتيل معركة كلامية حادة بين وعود المسؤولين وجراح المعلمين المنسية. فخلف عدسات الكاميرات وبحثاً عن انضباط المظهر الخارجي، انطلقت نبرة السلطة الحاسمة لتوبخ إدارة مدرسة كفر الجزار بسبب النظافة، وتطيح بمدير مدرسة برقطا متهماً إياه بالتقصير لارتدائه "الجلباب" وهو المربي الفاضل الذي أفنى عمره في خدمة القرية والتعليم وتطوع بعد تقاعده حباً في تلاميذه ورسالته ، لكن الصدمة الكبرى واللحظة الأكثر إيقاظاً للمشاعر جاءت حينما اصطدمت النبرة الحادة بصمود مديرة مدرسة لم تكتفِ بالدفاع، بل واجهت الكاميرات بهاتفها ومستنداتها لتقول بملء فيها «أنا صارفة على المدرسة دي من جيبي ومن فلوس أولادي»؛ لتثبت أنها لم تكن مجرد موظفة تؤدي واجباً، بل أم وفدائية أنفقت من قوت يومها وجيبها المحدود لإنقاذ فناء المدرسة من الغرق في مياه الصرف، وإدخال الكهرباء والمياه التي عجزت عنها الميزانيات، وسط حسرة المعلمين وتأكيداتهم «المحافظ هدم اللي بنبينه في سنين في دقيقة واحدة»
وجاء الرد الصادم كالصفعة من المسؤول «ما تفهمنيش إنك بتصرفي على الدولة»، عبارةٌ قاسية استقرت كالسهم في قلب امرأة تحمّلت عبء غياب الدعم، لتتحول هذه المواجهة إلى طعنة لكرامة مهنةٍ كادت أن تكون رسولا ، إنها الواقعة التي لم تعد تدور حول بنود اللوائح، بل غدت مرآةً تُبكي القلوب على واقع معلمين يُحاكَمون علناً على تقصيرٍ لم تصنعه أيديهم، ويُسلبون هيبتهم أمام تلاميذهم في وقتٍ يجودون فيه بأموالهم لإبقاء المدارس حية، ليظل السؤال المؤلم والمؤثر يتردد في وجدان كل مصري: كيف نطالب المعلم بأن يزرع في نفوس الأجيال الانتماء، ونحن نكسر خاطره وكرامته عند عتبات فصوله؟ لقد جرفت هذه الحادثة معها جدار الصمت الذي يغلف واقع التعليم، لتكشف عن فجوة عميقة بين لغة الأرقام الرسمية والتضحيات الصامتة التي تجري خلف الأسوار ،
إن ما شهدته مدرسة كفر الجزار لم يكن مجرد قصور في النظافة يمكن تداركه بمكنسة أو سلة مهملات، بل كان تجسيداً حياً لقصة كفاح يومية يخوضها المعلم المصري في مواجهة بنية تحتية متهالكة وغياب شبه تام للدعم الإداري ، هنا تبرز تضحيات المعلمين ليس كواجب وظيفي، بل كرسالة مقدسة يدفعون ثمنها من قوت أبنائهم، حيث تتحول غرف المدرسين ومدراء المدارس إلى خلايا طوارئ لجمع التبرعات الذاتية صيانةً للامركزية مفقودة، وتأميناً لقطرة ماء نظيفة أو سلك كهربائي يحمي التلاميذ من ظلام الفصول ،
وفي المقابل، جاءت النبرة الرقابية الحادة والتلويح بالعقوبات العلنية أمام الكاميرات ليعكسا أزمة أعمق تتجاوز حدود القليوبية؛ أزمة "الشو الإعلامي" الذي يختزل منظومة التعليم المعقدة في مجرد مظهر خارجي أو رداء يرتديه معلم ريفي أفنى عمره في العطاء والتطوع حباً في المهنة. إن الإطاحة بمدير مدرسة لمجرد ارتدائه جلباباً يعكس ثقافة قريته، أو توبيخ مديرة لم تجد من يرفع عنها مياه الصرف الصحي فرفعتها بمالها الخاص، هو في الحقيقة هدم ممنهج للهيبة التربوية التي تبنى في سنوات طوال ، كيف يستمع التلميذ لتعليمات معلمٍ شاهده بالأمس مهاناً، مكسور الخاطر، ومجرداً من الاحترام على شاشات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي؟
إن هذه القسوة الإدارية لا تخلق انضباطاً، بل تزرع الإحباط والخوف في نفوس من اؤتمنوا على صياغة عقول الأمة ، إن الاستمرار في معالجة أزمات التعليم بمنطق "التصيد" والتشهير العلني يهدد بإفراغ المدارس من روحها التربوية، ويحيل المعلم من مربٍ وقائد ملهم إلى موظف مرتعش يخشى المبادرة تجنباً لبطش المسؤولين ،
لا يمكن لوزارة التربية والتعليم أو المحافظات أن تنهض بالعملية التعليمية دون بناء جسور الثقة والاحترام المتبادل، والاعتراف الصريح بأن المعلم هو حجر الزاوية الذي يتحمل العبء الأكبر في التربية ، إن إصلاح التعليم يبدأ أولاً من حفظ كرامة من يدرسه، وتوفير الميزانيات الحقيقية للبنى التحتية، بدلاً من إلقاء التهم جزافاً وتحميل الإدارات المدرسية مسؤولية غياب التخطيط والدعم المركزي ، إن الدمعة التي انحبست في عيون تلك المديرة، والغصة التي سكنت حلوق معلمي مصر بعد هذه الواقعة، لم تكن بكاءً على منصب أو خوفاً من جزاء إداري، بل كانت بكاءً على وطن يُهان فيه ورثة الأنبياء جهاراً نهاراً ، لقد أثبتت الأيام أن الجدران يمكن طلاؤها، والفناء يمكن تنظيفه في دقائق، لكن الخاطر إذا كُسر والكرامة إذا هُدرت أمام الصغار لا ترممها مئات القرارات والتبريرات ،
سيظل المعلم المصري يمد يده بالطباشير رغم الجراح، ويقتطع من خبز أولاده لينير عقول أبناء وطنه ، مؤكداً بفعله ونبله أن الرسالة أقوى من سوط السلطة وأبقى من بريق الكاميرات الزائل ، ولعل صوت أمير الشعراء أحمد شوقي يتردد اليوم في فضاء هذه الأزمة، ليس كنشيد يُتلى، بل كصرخة عتاب واستغاثة توقظ الضمائر " قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا ... كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا ،، أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي ... يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا ،، سُبحانَكَ اللَّهُمَّ خَيرَ مُعَلِّمٍ ... عَلَّمتَ بِالقَلَمِ القُرونَ الأولى
رحم الله زمناً كان فيه المعلم يُقاد له الإجلال، وحفظ الله معلمي مصر الذين يبنون خلف جدران المدارس الصامتة مجد الأمة بأيدي عارية ونفوس أبية لم تكسرها قسوة الكلمات ولا جفاء المسؤولين