مساحة إعلانية
لقد هالني اليوم أمرٌ لم أكن أعرفه، حقيقة مرّة يتجرعها "أطفال السكري" الذين وُلدوا والوخز رفيقهم، وقضاء الله وقدره تاجٌ على رؤوسهم نسلم به ونرضى. لكن المأساة لا تكمن في المرض ذاته، بل في تلك اللحظة القاسية التي يبلغ فيها الطفل سن الشباب، اللحظة التي تنتهي فيها سنوات دراسته وتُرفع عنه فجأة "مظلة التأمين الصحي"، ليُترك وحيداً، أعزلاً، وجهاً لوجه أمام وحش التكاليف المادية التي لا ترحم.
كيف لشاب في مقتبل العمر، يخطو أولى خطواته في الحياة، أن يتدبر قرابة 5000 جنيه شهرياً هي كلفة البقاء فقط؟ إن هذا الرقم ليس مبالغة، بل هو واقع مرير يتوزع بين أقلام الأنسولين القاعدي والمائي، وبين ضرورة توفير شرائط قياس السكر التي يحتاجها بمعدل 5 مرات يومياً، ناهيك عن الفواتير الدورية لتحاليل لا غنى عنها: تحليل السكر التراكمي (HbA1c)، تحليل وظائف الكلى (Creatinine & Urea)، تحليل الزلال الدقيق في البول (Microalbuminuria)، وتحليل الدهون والكوليسترول، وفحص قاع العين السنوي.
كل هذه الفحوصات والأدوية هي "شريان حياة" وليست رفاهية، فكيف لشاب يبحث عن عمل أن يوفر هذا المبلغ؟ وإذا كان يطمح لراتب 10,000 جنيه، فأين هي تلك الفرص؟ وكيف له أن يفكر في زواج أو بناء مستقبل وهو يرى نصف دخله يذهب ثمناً لأنفاسه؟ إن الدولة تستثمر في هؤلاء الأطفال طوال عشرين عاماً، تُنفق على تعليمهم وعلاجهم، فهل يُعقل أن تضيع جهود سنوات من الرعاية بسبب "ورقة تخرج"؟ هل يُكافأ الشاب على نجاحه الدراسي برفع الحماية الصحية عنه؟ إن تركه في هذه المواجهة هو حكم بالإعدام البطيء، وتكلفة علاج المضاعفات الناتجة عن نقص العلاج ستكلف الدولة مستقبلاً أضعاف أضعاف تكلفة الوقاية الآن.
ديننا الحنيف لم يترك المريض نهباً للضياع، فقد قال رسول الله ﷺ: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، والرحمة هنا هي حماية تضمن كرامة الإنسان. إن إغاثة هؤلاء هي تجسيد لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. لذا، أهيب بالدولة المصرية، ممثلة في وزارة الصحة وهيئة التأمين الصحي، ألا ترفع يدها عن هؤلاء الشباب طيلة حياتهم. لا تتركوهم "وجهاً لوجه" مع العجز، ولا تكونوا أنتم والمرض وظروف الحياة ضد هذا ﴿الـمُـسَـكَّـر﴾ المسكين الذي لم يختر مرضه. صرختي هذه هي نداء حق وواجب، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، والله من وراء القصد وهو المستعان.