مساحة إعلانية
كان شيخنا المرحوم الدكتور / عبد الرحمن علي سليمان أستاذا للنحو والصرف بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر بأسيوط ، وحين افتُتِح بكليتنا ( كلية التربية بأسيوط) أوائل السبعينيات تخصص اللغة العربية بالتوازي مع كليات التربية بعين شمس والمنيا وقنا ، انتدب شيخنا لتدريس النحو والصرف
وكان الرجل ضخما جدا - طولا وعرضا - بالقياس إلى غيره من الدكاترة
وكان رحمه الله ، مُعَمَّمًا ، مُكَوْكَلاً ، وسيمًا ، أنيقاً ، عالي الصوت ، راقيَ الأسلوب في المعاملة معنا ، بخلاف وضعه في كليته في الأزهر حيث كنا نسمع الكثير عن شدته هناك .. والفرق أن كليتنا كانت مختلطة ( بنين وبنات) ، أما كليات الأزهر فكانت بنين فقط .
ولم يكن الدين الإسلامي ( الساداتي/ الوهابي) قد دخل مصر واستشرى فيها بعد ، فقد كانت دفعتنا المكونة من نحو 180 تضم نحو سبعين بنتا ، فيهن واحدة فقط محجبة لا تصلح للرغي معها ، والباقيات الصالحات للرغي والصداقة مكشوفات الشعر ، وكان كل شاب يجلس بجوار زميلة له بلا أدنى حرج ، وبلا أدنى تجاوز أيضا ، مجرد استلطاف متبادل أفضى بعضه إلى المأذون ، وأفضى بعضه إلى فراق طويل .
كان شيخنا المرحوم الدكتور / عبد الرحمن علي سليمان من عائلة العمدة في قريته ( نزلة عبد الله التابعة لمركز ديروط ) وكان أثر تلك " العمودية " ظاهرا فيه أوضح الظهور كما قلت .
وقد قرر علينا – في السنوات الثلاث بالجامعة أطروحته للدكتوراة ( تحقيق شرح المرادي لألفية ابن مالك ) المطبوعة في عدة مجلدات ، ثم أعير للسعودية ، وجيء لنا برجل فقير متواضع من كلية الآداب كان تخصصه اللغة العبرية ، فقرر علينا " شرح ابن عقيل للألفية " فلم أحضر له إلا محاضرة واحدة طوال السنة الرابعة !!
كان شيخنا المرحوم الدكتور / عبد الرحمن علي سليمان يشرح الدرس وأمامه الكتاب ينظر فيه من حين لآخر ، وقد يقوم فيكتب شيئا على السبورة ، ثم يسألنا ويناقشنا بصبر شديد حتى يتأكد من فهمنا ماشرح من درس
وكان رحمه الله يبغض من يتأخر عن الحضور قبله للمحاضرة ، ولا يعفيه من بعض " التهزيق " والسخرية والتوبيخ واللوم .
وحدث مرة أن تأخرت أنا وزميلي في المدينة الجامعية عثمان اسماعيل ، فخاف عثمان من التوبيخ وأـراد أن نتغيب تلك المحاضرة ، فرفضت وأصررت على أن ندخل متاخرين ـ وعندي أمل في أن الشيخ – بحكم تقديره لي لكوني متفوقا في مادته ويحفظ اسمي – قد يتسامح معنا ..
وطرقنا الباب فسمح لنا بالدخول ، وما كدنا نتجه إلى مقاعدنا ، حتى نادى : " خد ياد يارجب تعالوا هنا ... تأخرتوا ليه ؟
سكت عثمان خجلا ، وأطرقت أنا أمام الشيخ وهززت رأسي يمينا ويسارا وقلت : صادفتنا جنازة يا مولانا وخلفها عدد قليل جدا من المشيعين ، فاتَّبعناها إلى المقابر حتى نتبادل معهم حمل المرحوم !!
فانبسط مولانا - رحمه الله - جدا ، وأثنى علينا ودعا لنا بخير كثير ، وعثمان يكاد ينفجر من الضحك فيما أظهرت أنا تأثرا شديدا على الفقيد الراحل !!
وكان في دفعتنا – ويسكن معنا في المدينة الجامعية – زميلٌ رومانسيٌّ حالمٌ طَروبٌ صَدَّاح ، ينفق على تزييت شَعره ودهانه وتسريحه وزخرفته قريبا مما يصرف سبعة عشر منا على طعامهم وشرابهم
وكان هذا الزميل ممن ألقى بهم مجموع درجاتهم في تخصص اللغة العربية على غير رغبة ، وكان – رحمه الله - يبغض النحو والصرف أشد مما يبغض " جولدامائير " لذلك كان يتفادى الاحتكاك مع مولانا الشيخ عبد الرحمن سليمان
لكن لسوء حظه ، أوقفه مولانا مرة وقال له أعرب هذا الشاهد النحوي :
نَدِمَ البُغَاةُ ، ولاتَ ساعةَ مَنْدَمِ ... والبغْيُ مَرْتَعُ مُبتغيه وَخِيمُ!!
حار الفتى كل الحيرة ، واضطرب غاية الاضطراب ، وبمنتهى الصوت الرومانسي الحالم المقبل على الحياة ( بدون مبرر!!) قال واثقا :
- ندم : مبتدأ !!
وكأن سيدنا لم يصدق أذنيه فقال وقد تغير لون وجهه : نعم ؟ نعم ؟ قال الفتى برومانسية مفرطة لكنها بدأت تتغلف بالخوف من المجهول :
- ندم : مبتدأ !!
فصرخ سيدنا الشيخ فيه قائلا وكأنه يلحِّن أغنية ويهز رأسه ويعد بيد على أصابع اليد الأخرى
: " الله يخرب بيتك
وبيت أبوك
وبيت اللي علموك نحو
من أولى ابتدائي
لغاية النهارده !!
تعال يا حمار تعال
وهات كتبك معاك "
لملم زميلنا كتبه ومسطرته وكراريسه وجاء يحسب أن الشيخ سيطرده فمال نحو الباب فقال مولانا ": تعال قدامي هنا في أول صف جنب رجب !! "
وامصيبتاه !! جنبي أنا ؟
كان معنى هذا القرار أنني كل يوم سبت وثلاثاء سيجلس بجواري هذا الزميل !!
ومن طرائف شيخنا رحمه الله أنني كنت أزوره - بعد تقاعده من عمادة كلية البنات بأسيوط - وقد تجاوز السبعين ، وكنت وقت زيارتي له أستاذا ووكيلا لكلية التربية بسوهاج ، فكنت أقبل يديه وأجلس معه فيسألني : جاي ليه ؟ أقول له : عندي مناقشة رسالة في كلية التربية بأسيوط .. فيقول رحمه الله : بعد ما تخلصها تعال أغديك ، يقولها بكل جدية وتصميم !!! ، وأحيانا يسألني : معاك مصاريف ؟ فأقول له نعم فيتشدد جدا حتى لأكاد أخرج له فلوسا ليراها !!
اللهم اغفر له وارحمه