مساحة إعلانية
هناك أصدقاء يدخلون حياتنا من باب الشعر ثم يظلون فيها لسنوات طويلة لا لأنهم كتبوا قصيدة جميلة فقط بل لأن حضورهم نفسه يتحول مع الوقت إلى معنى جميل لا يغادر الذاكرة مهما ابتعدت الأيام ومهما أخذتنا الطرق إلى أماكن أخرى
هكذا كان الشاعر عبده الشنهوري بالنسبة لي
عرفته وأنا في بداياتي الأولى جدا مع الكتابة حين كنت لا أزال أتعلم كيف أقترب من القصيدة وكيف أجد صوتي بين كل هذه الأصوات الكثيرة التي كانت تسبقني وكانت قنا وقتها مليئة بالحكايات والوجوه والمجالس الثقافية التي كانت تمنحنا نحن الصغار شيئا من الأمل وكثيرا من الحماس وكان اسم عبده الشنهوري من الأسماء التي نسمعها فننتبه لها ونتوقف عندها طويلًا
عبده ابن شنهور القرية التي تقع شرقي قريتي الجمالية بمركز قوص وكأن الجغرافيا نفسها رتبت لنا هذه المعرفة مبكرا قبل أن يحدث اللقاء
أول معرفتي به كانت في قنا حين كنت طالبا فيها وأحضر بنادي أدب قنا دعاني وقتها لحضور نادي الأدب بقوص وذهبت وأنا أحمل داخلي قلق الشاب الذي لا يعرف أحدا من شعراء قوص لأنني وكما ذكرت كانت بداياتي بنادي أدب قنا وحين التقيته للمرة الأولى شعرت أنني لا أقابل شاعرا للمرة الأولى بل أقابل شخصًا أعرفه من زمن طويل
كان بسيطا إلى درجة تريحك من اللحظة الأولى ومهذبا على نحو نادر وكريما في حديثه وفي استقباله وفي إنصاته وكان يعرف كيف يفتح الكلام دون تكلف وكيف يمنح من أمامه مساحة ليقول ما عنده دون أن يشعره أنه أقل أو أصغر
بعدها توالت اللقاءات وصار بيننا ود جميل وزارني في بيتي وزرته في بيته وجلسنا كثيرا نتبادل الحديث عن الشعر وعن القصائد وعن الناس وعن الحياة نفسها وكان من هؤلاء الذين لا تشعر معهم بثقل الوقت لأن الكلام معهم لا يكون مجرد كلام بل يكون امتدادا لشيء أعمق يشبه الألفة القديمة
وما بقي في ذاكرتي عنه إلى اليوم قبل الشعر وقبل الثقافة هو أدبه الكبير وأخلاقه العالية وطريقته الهادئة في التعامل مع الناس فقد كان يعرف كيف يكون شاعرا دون أن يتعالى وكيف يكون مثقفا دون أن يستعرض ثقافته وكيف يكون حاضرا دون أن يزاحم أحدا على حضوره
أما شعره فله مكان آخر
عبده الشنهوري من الشعراء الذين حين يكتبون فن الواو تشعر أن الكلمات خارجة من عمق الأرض نفسها وكأن الجنوب يتكلم بصوته هو لا بصوت أحد آخر يعرف هذا الفن كما يعرف أبناء البيوت القديمة أبوابها يعرف نبرته ودهشته وحكمته وموسيقاه الخفية ويعرف كيف يحمله من ذاكرة الناس إلى القصيدة دون أن يفقد روحه الأولى
وحين تقرأ له تشعر أن فن الواو عنده ليس لونا أدبيا يكتبه شاعر مجيد بل جزء من تكوينه ومن نظرته للعالم ومن علاقته باللغة والناس والقرى والوجوه والحكايات القديمة
وفي الفصحى أيضا كان قادرا على أن يكتب بنفس العمق وبنفس الحس الشعري وبوعي واضح لشاعر يعرف جيدا ما يفعل ويعرف كيف ينحاز للكلمة دون ضجيج
وكانت ثقافته دائمًا مما يلفتني فيه لأنها ثقافة نابعة من وعي حقيقي ومن قراءة وتأمل ومعايشة طويلة وليست ثقافة كلام أو مشهد ولهذا حين كنت أجلس معه كنت أخرج من الجلسة بشيء أكبر من الحديث وأبقى لفترة أفكر فيما قاله وفي الطريقة التي قاله بها
ثم مضت السنوات كما تمضي دائما بسرعة لا نستطيع الإمساك بها ذهبت أنا إلى القاهرة وذهب هو إلى أسوان وصارت بيننا مسافات طويلة وانشغلت الحياة بكل واحد منا في طريقه لكن بعض الناس لا تصنع علاقتنا بهم المسافة ولا يقطعها الغياب
يظل الواحد منهم حاضرا في مكانه داخل الذاكرة كما هو
وما زال عبده الشنهوري بالنسبة لي حاضرا بهذا المعنى حاضرا بشعره وبصوته وبأدبه وبالمحبة التي كان يتركها في كل مكان يمر به
وحين أعود بذاكرتي إلى بداياتي أراه هناك واضحا كما كان يوم التقينا أول مرة
أراه في قنا وفي نادي الأدب وفي جلسات الكلام الطويلة وفي زمن البدايات الذي لا يعود لكنه لا يغيب أبدا
ولهذا كلما مر اسمه أمامي لا أتذكر شاعرا فقط
أتذكر صديقا عزيزا من زمن جميل
صديقا عرف كيف يترك أثره في الشعر وفي الناس معا
وهذا أثر نادر لا يقدر عليه إلا القليل
حفظ الله الصديق الشاعر عبده الشنهوري
* من سلسلة مقالات الانسان قبل النص