مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الجميلي أحمد يكتب: جيهان زكي وملف الكتب الحبيسة في المخازن

2026-05-09 11:57 AM  - 
الجميلي أحمد يكتب: جيهان زكي وملف الكتب الحبيسة في المخازن
جهيان زكي

هل تبدأ الوزيرة ثورة جديدة في النشر المصري

في ظل تكدس آلاف الكتب داخل مخازن هيئات وزارة الثقافة المعنية بالنشر تبدو الأزمة أكبر بكثير من مجرد مشكلة توزيع أو ضعف إقبال على القراءة لأن القضية في حقيقتها تكشف عن خلل قديم في طريقة التفكير نفسها فالدولة ما زالت تتعامل مع الكتاب بوصفه منتجًا يجب طباعته فقط بينما العالم كله تجاوز هذه الفكرة منذ سنوات طويلة وأصبح يتعامل مع النشر باعتباره صناعة كاملة واقتصادًا قادرًا على تحقيق الربح وصناعة النفوذ في الوقت نفسه.
الكتاب الذي ينام داخل المخزن ليس أزمة ورق وحبر فقط بل أزمة رؤية لأن أي كتاب لا يصل إلى القارئ يتحول مع الوقت إلى عبء مالي وثقافي معًا بينما الأصل أن يكون الكتاب أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية وأحد الموارد القادرة على تحقيق دخل حقيقي إذا أحسن استثماره.
المؤسسات الثقافية المصرية تملك كنوزًا هائلة من الإصدارات والتراث الفكري والأدبي لكنها ما زالت تدير هذا الملف بعقلية قديمة تعتمد على الطباعة ثم انتظار القارئ أن يأتي وحده بينما العالم الحديث بنى حول الكتاب صناعات كاملة تبدأ من التسويق ولا تنتهي عند الترجمة والكتاب الصوتي والمنصات الرقمية وبيع الحقوق وتحويل الأعمال الأدبية إلى أفلام ومسلسلات ومحتوى بصري يحقق أرباحًا ضخمة.
في كوريا الجنوبية لم تتحول الثقافة إلى قوة اقتصادية لأن الدولة طبعت الكتب فقط بل لأنها ربطت المنتج الثقافي كله بالسوق العالمي وفي فرنسا لم تصبح دور النشر جزءًا من الاقتصاد القومي بالمصادفة بل عبر سياسات واضحة تحمي الكتاب وتدعمه وتسوقه عالميًا أما في مصر فما زالت آلاف النسخ تتراكم داخل المخازن وكأن دور المؤسسة الثقافية ينتهي لحظة خروج الكتاب من المطبعة.
ولهذا فإن اللحظة الحالية تحتاج إلى إعادة تعريف دور الهيئات المعنية بالنشر داخل وزارة الثقافة فلا يجوز أن تبقى الهيئة المصرية العامة للكتاب مجرد جهة لإنتاج العناوين بل يجب أن تتحول إلى مؤسسة صناعة نشر حقيقية تمتلك رؤية اقتصادية وثقافية في آن واحد.
لماذا لا تمتلك الوزارة منصة رقمية رسمية للكتب الإلكترونية والصوتية تحقق دخلًا دائمًا؟ ولماذا لا يتحول معرض القاهرة الدولي للكتاب إلى سوق دولي لبيع وشراء حقوق النشر والترجمة؟ ولماذا لا يتم إنشاء وكالة أدبية مصرية رسمية تتولى تسويق الكاتب المصري عالميًا؟ ولماذا لا تستثمر الدولة في ترجمة الأدب المصري إلى لغات العالم بدل بقاء معظم الإنتاج حبيس اللغة الواحدة؟
إن العالم لم يعد يقيس قوة الدول بعدد مصانعها فقط بل بقدرتها على تصدير ثقافتها أيضًا والكتاب واحد من أخطر أدوات هذا التأثير لأنه يصنع الصورة الذهنية للأمم ويحمل أفكارها وتاريخها ووعيها إلى العالم.
وربما تكون الفرصة الآن مواتية أمام جيهان زكي لإعادة التفكير في هذا الملف بعقلية مختلفة خاصة أن الوزيرة القادمة من خلفية دبلوماسية وثقافية تعرف جيدًا كيف تتحول الثقافة في العالم إلى مورد اقتصادي وقوة تأثير دولية لا مجرد نشاط إداري محدود.
المطلوب اليوم ليس فقط إنقاذ الكتب من المخازن بل إنقاذ فكرة النشر الحكومي نفسها عبر الانتقال من عقلية الطباعة إلى عقلية الصناعة ومن فكرة الدعم التقليدي إلى مفهوم الاستثمار الثقافي لأن مصر التي صنعت وجدان العالم العربي لعقود طويلة لا يليق بها أن تتحول كتبها إلى كراتين مغلقة في المخازن بينما العالم كله يربح من الثقافة ويعيد تشكيل نفوذه عبرها كل يوم.

مساحة إعلانية