مساحة إعلانية
عندما أتحدث عن جلاء عزت الطيري فأنا لا اتحدث فقط عن كاتبة جاءت من جنوب مصر لتضيف اسمًا جديدًا إلى المشهد الأدبي وإنما اتحدث عن تجربة تشكلت في بيئة لها خصوصيتها وذاكرتها وموروثها الإنساني وهي تجربة استطاعت أن تحقق حضورها بالكتابة وأن تجعل من المكان الذي جاءت منه مادة حية في مشروعها الإبداعي
ولأن الأمثال الشعبية لا تكذب كما يقولون فإن المثل القائل ابن الوز عوام يبدو هنا مناسبًا تمامًا وأنا أتذكر من هي جلاء عزت الطيري التي نعرفها اليوم الموضوع يعود عندما بدأت خطواتي الأولى في الكتابة في قنا وكان اسم عزت الطيري في ذلك الوقت يملأ سماء قنا وأرضها شاعر له طعمه الخاص وحضوره المتميز وأستاذ لجيل كامل من المبدعين ومن هذا المناخ خرجت جلاء الطيري وهي تحمل في تكوينها الأدبي أثر أب لم يكن الشعر عنده مجرد كتابة وإنما كان حضورًا وثقافة ومشروعًا
لكن جلاء لم تكرر تجربة الأب ولم تسلك الطريق نفسه فبدلًا من الشعر اتجهت إلى القصة والرواية وكأنها أرادت أن تقول إن الابنة التي خرجت من بيت الشعر يمكن أن تحمل ميراث الأدب دون أن تكون نسخة من أبيها وهنا تكمن واحدة من أهم سمات تجربتها فهي ابنة شاعر لكنها استطاعت أن تبحث عن صوتها الخاص وأن تؤسس لنفسها موقعًا مختلفًا داخل الكتابة
وتكشف سيرتها الذاتية عن مشروع أخذ يتسع خطوة بعد أخرى فقد حصلت على دبلوم الدراسات العليا في التربية من جامعة جنوب الوادي وأصبحت عضوًا في اتحاد كتاب مصر واتحاد الكتاب والأدباء العرب وعضوًا بنادي الأدب بقصر ثقافة نجع حمادي وهي تقيم في قرية نائية في جنوب مصر وهو تفصيل لا ينبغي المرور عليه سريعًا لأن المكان في تجربة جلاء ليس مجرد عنوان للإقامة وإنما يبدو بوابة لفهم جزء مهم من عالمها الإبداعي
إن الكتابة من قرية نائية في جنوب مصر تمنح المبدع علاقة مختلفة بالتفاصيل فهناك الذاكرة الشعبية وهناك العلاقات الإنسانية وهناك المسافة بين الإنسان والعالم وهناك تلك التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة لكنها تتحول داخل الأدب إلى علامات على حياة كاملة وربما لهذا استطاعت جلاء أن تجعل القصة والرواية المجال الأوسع لمشروعها
وقد صدر لها عدد من الأعمال التي تؤكد أن تجربتها لم تتوقف عند محاولة أولى فقد صدرت روايتها نادية القردة عن المجلس الأعلى للثقافة وصدرت مجموعتها القصصية البنت والنعناع عن هيئة قصور الثقافة ثم جاءت مجموعة كليزار عن مؤسسة عماد قطري للإبداع كما صدرت لها رواية ليلى تمعن في الصمت عن الهيئة العامة للكتاب
وهذا التنوع بين الرواية والقصة القصيرة يكشف عن كاتبة لا تحصر نفسها في قالب واحد فالقصة عندها مساحة مكثفة لالتقاط اللحظة الإنسانية بينما تمنحها الرواية فرصة أوسع لبناء الشخصيات والعوالم ومتابعة التحولات الداخلية للإنسان
ولعل عنوان ليلى تمعن في الصمت يحمل دلالة تستحق التوقف عندها فالصمت في الأدب ليس دائمًا غيابًا للكلام بل قد يكون كلامًا من نوع آخر وقد يكون مساحة تختبئ فيها الذاكرة والخوف والرغبة والخذلان وكل ما يعجز الإنسان عن قوله بصورة مباشرة ولذلك فإن اختيار الصمت في عنوان عمل روائي يفتح بابًا لقراءة جلاء باعتبارها كاتبة تهتم بما يحدث خلف الظاهر وما تقوله الشخصيات حتى عندما لا تتكلم
أما حضورها في القصة القصيرة فقد تجاوز حدود المكان فقد نشرت قصصها في عدد من الدوريات والمجلات المصرية والعربية منها الثقافة الجديدة والرافد الإماراتية والحرس الوطني السعودية والمجلة العربية السعودية والكويت والحوار والمنتدى الإماراتية كما نشرت في صحف الجمهورية والمساء والمصري اليوم والأنباء الدولية وأخبار قنا ومنبر التحرير
وهذا الانتشار لا يمكن اعتباره مجرد قائمة للنشر وإنما هو جزء من رحلة انتقال النص من مكانه الأول إلى فضاءات عربية مختلفة وهو ما يؤكد أن تجربة جلاء استطاعت أن تتجاوز حدود الجنوب دون أن تفقد علاقتها بجذورها
واللافت في مشروعها أيضًا أن الجوائز لم تأت من مجال واحد فقد فازت بجائزة المجموعة القصصية في المسابقة المركزية لهيئة قصور الثقافة وهذه الجائزة أنا اعتز بها لأنني كنت واحدا من الفائزين بها يوما ما كما فازت جلاء بجائزة الرواية في المسابقة المركزية للهيئة وفازت بجائزة القصة القصيرة المفردة في هيئة قصور الثقافة وجائزة العربي للقصة القصيرة وجائزة القصة القصيرة في مسابقة إقليم وسط وجنوب الصعيد الثقافي
وتكشف هذه الجوائز عن أمر مهم وهو أن جلاء الطيري لم تكن كاتبة رواية فقط ولا قاصة فقط وإنما استطاعت أن تتحرك بين مستويات مختلفة من السرد وأن تثبت حضورها في أكثر من مساحة إبداعية
كما أن مشاركتها في ملتقى السرد بالشارقة تؤكد انتقال تجربتها من المجال المحلي إلى فضاء عربي أوسع وهو أمر يتسق مع حضور نصوصها في المجلات والصحف العربية
ومن هنا يمكن النظر إلى مشروع جلاء عزت الطيري باعتباره مشروعًا سرديًا ينطلق من الجنوب لكنه لا يتوقف عند حدوده مشروع يبحث عن الإنسان في المكان وعن أثر المكان في الإنسان ويستفيد من الذاكرة الشعبية والاجتماعية دون أن يتحول إلى مجرد تسجيل للبيئة
وربما تكون خصوصية جلاء الأكبر في أنها لم تجعل نسبها الأدبي عبئًا عليها فكونها ابنة عزت الطيري كان يمكن أن يضعها دائمًا في مقارنة مع الأب لكنها اختارت أن تذهب إلى منطقة أخرى وأن تبحث عن صوتها في القصة والرواية وهنا تصبح عبارة ابن الوز عوام أكثر من مجرد مثل شعبي فهي في حالة جلاء تشير إلى أن الموهبة قد تورث البيئة والذائقة والوعي لكنها لا تمنح المبدع صوته كاملًا فالصوت الحقيقي تصنعه التجربة
ومن الجميل أيضًا أن تجربتها لم تمر دون أن تلفت نظر النقاد والدارسين فقد أشارت سيرتها إلى دراسات تناولتها منها دراسة عن جلاء القاصة الشاعرة بقلم زكريا عبد الغني ودراسة بقلم الدكتور مدحت الجيار
وهنا يصبح مشروع جلاء عزت الطيري جديرًا بالقراءة ليس فقط لأنها ابنة شاعر كبير ولا لأنها جاءت من جنوب مصر وإنما لأنها استطاعت أن تجعل من تلك البداية نقطة انطلاق لا نقطة نهاية وأن تبني لنفسها حضورًا في القصة والرواية وأن تنتقل بنصوصها من القرية الجنوبية إلى المجلات والصحف والملتقيات العربية
إن جلاء الطيري في واحدة من تلك التجارب التي تؤكد أن الصعيد لا ينتج الحكايات فقط وإنما ينتج من يستطيع أن يعيد كتابة هذه الحكايات وأن يمنحها حياة جديدة فبين الأب الذي كان ومازال شاعرًا يملأ قنا والوطن العربي حضورًا وبين الابنة التي اختارت السرد طريقًا خاصًا تتشكل حكاية أدبية جميلة عن الموهبة والاختلاف والبحث عن الذات
وإذا كان عزت الطيري قد منح الشعر صوتًا مميزًا فإن جلاء الطيري اختارت أن تمنح السرد صوتها هي وهذه هي القيمة الأهم في تجربتها أن تخرج من ظلال الاسم الكبير دون أن تنكر فضله وأن تحمل أثر المكان والأسرة والذاكرة ثم تعيد تشكيل كل ذلك بلغتها الخاصة
ولهذا فإن الحديث عن جلاء عزت الطيري لا ينبغي أن يتوقف عند كونها ابنة شاعر أو عند عدد أعمالها وجوائزها وإنما يجب أن يتجه إلى عالمها السردي نفسه لأن ما صنع حضورها الحقيقي ليس الاسم الذي جاءت منه وإنما النص الذي استطاعت أن تضع فيه اسمها