مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

خاتم العزلة الأخير ... شعر حسام عربي

2026-08-31 02:12 PM  - 
خاتم العزلة الأخير ... شعر حسام عربي
الشاعر حسام عربي
إعلان بنك saib

​جَمْرٌ..

جَمْرٌ..

جَمْرٌ..

أَتَعْلَمِينَ أَيُّ تَهْشِيمٍ

يَصْنَعُهُ البَقَاءُ القَاهِرُ

فِي عُرُوقِ الوَقْتِ؟

تَحْتَ عَيْنَيَّ..

لَا سَحَابَ يَغْسِلُ رُخَامَ الغُرْبَةِ،

وَلَا أُفْقَ يَنْحَنِي

لِيَسْتِرَ عُرْيَ المَدِينَةِ.

نَحْنُ البَاقُونَ..

نَتَنَفَّسُ هَوَاءً لَيْسَ لَنَا،

وَنَحْرُسُ ظِلالَنَا المَقْطُوعَةَ

مِنْ شَجَرَةِ الذَّاكِرَةِ.

​عَدَمٌ يَمْشِي

عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ فِي الغُرْفَةِ،

يُحْصِي سُعَالَ الرَّاحِلِينَ

عَلَى الجُدْرَانِ.

لَا مَطَرَ يَأْتِي..

سِوَى صَدَى إِبْرِيقٍ يَبْكِي

فِي قَاعِ الطِّينِ،

وَرُمُوشٍ تَذُرُّ الغُبَارَ

عَلَى حَافَّةِ الحَيَاةِ.

أَنَا وَظِلِّي..

نَتَقَاسَمُ أرِغْفَة العَزْلَةِ،

وَنَتَسَاءَلُ عَنْ جِذْعٍ قَدِيمٍ

سَقَطَ بَيْنَ اليَدَيْنِ

دُونَ أَنْ يَلْتَفَتَ إِلَيْهِ أَحَدٌ.

​فِي العُزْلَةِ الكُبْرَى..

حَيْثُ تَنْطَفِئُ المَرَايَا

عَنْ وُجُوهِ أَصْحَابِهَا،

لَا نَبْضَ يَتَحَرَّكُ

سِوَى وَهْمِ الأَصَابِعِ

وَهِيَ تَعْبُرُ الفَرَاغَ عَمْداً،

تَبْحَثُ عَنْ كَتِفٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ

لِتَتَكَأَ عَلَيْهِ.

هَكَذَا نَعِيشُ؛

نَحْنُ الَّذِينَ نَحْفُرُ قُبُورَنَا

بِالأَظَافِرِ كُلَّ صَبَاحٍ،

ثُمَّ نُنَادِي المَوْتَى

لِيُشَارِكُونَا قَهْوَةَ الفَجْرِ،

فَلَا يَأْتِي سِوَى صَوْتِ الرِّيحِ

وَهِيَ تَفْتَحُ بَابَ الأَبَدِيَّةِ

عَلَى أَحْزَانِنَا.

​تِلْكَ هِيَ النَّافِذَةُ

الَّتِي لَا تُؤَدِّي إِلَى شَيْءٍ،

سِوَى أَنَّ الضَّوْءَ يَدْخُلُ مَكْسُوراً

كَأَنَّهُ يَعْتَذِرُ لِجُدْرَانِ الحُجْرَةِ

عَنْ طُولِ الغِيَابِ.

نَتْرُكُ المَعَانِي تَتَسَاقَطُ

كَأَوْرَاقِ التُّوتِ،

فَلَا شَجَرَةَ تَسْتُرُ عُرْيَ هَذَا الصَّمْتِ،

وَلَا طَرِيقَ يَحْمِلُ خُطْوَةً ثَانِيَةً

إِلَى خَارِجِ الدَّائِرَةِ.

​لَا قِطَارَ يَمُرُّ مِنْ هُنَا،

وَلَا حِكَايَةَ تَنْتَهِي بِسِتَارٍ يَهْطِلُ،

كُلُّ مَا فِي الأَمْرِ..

أَنَّنَا نُعِيدُ تَرْتِيبَ رُفُوفِ المَاضِي،

فَنَجِدُ الغُبَارَ وَحْدَهُ

يَتَنَفَّسُ مَعَنَا

بِذَاتِ الإِيقَاعِ البَطِيءِ.

أَتَعْلَمُ؟

العَزْلَةُ لَيْسَتْ غُرْفَةً مُغْلَقَةً..

إِنَّهَا اتِّسَاعٌ مُرْعِبٌ،

يُشْبِهُ صَحْرَاءَ تُقَايِضُ رَمْلَهَا

بِالسَّمَاءِ،

فَلَا تَعْرِفُ أَيُّهُمَا أَثْقَلُ حَمْلاً..

رَمْلُ القَلْبِ،

أَمْ زُرْقَةُ الفَجْرِ الحَائِرَةُ

عَلَى الشِّفَاهِ!

​صَمْتٌ..

يَتَنَاسَلُ فِي الزَّوَايَا

كَمَا يَتَنَاسَلُ العَمَى

فِي عُيُونِ التَّمَاثِيلِ.

لَا أَحَدَ يَدْقُقُ البَابَ..

حَتَّى الرِّيحُ خَجِلَتْ مِنْ عَبَثِهَا

بِالأَوْرَاقِ المَيِّتَةِ

فَرَحَلَتْ تَبْحَثُ عَنْ بَابٍ آخَرَ

لَا يَحْرَسُهُ الحَنينُ.

نَحْنُ الهَالِكُونَ

عَلَى قَيْدِ الضَّوْءِ،

نَأْكُلُ مِنْ خُبْزِ الظِّلِّ،

وَنَكْتُبُ عَلَى جِدَارِ الغُرْفَةِ

وَصَايَا مَنْ لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ:

«كُلُّ مَا يَحْتَاجُهُ المَوْتَى..

هُوَ مِعْطَفٌ أَنْفَقَهُ الشِّتَاءُ

فِي طَرِيقٍ بَعِيد».

​تِلْكَ هِيَ الحِكَايَةُ باختصار:

رَجُلٌ يَقِفُ عَلَى حَافَّةِ نَفْسِهِ،

يُلَوِّحُ لِمَنْ لَا يَمُرُّونَ،

وَيَتْرُكُ مِفْتَاحَ البَيْتِ

فِي يَدِ الغِيَابِ،

كَأَنَّهُ يَقُولُ لِلْعَالَمِ:

أْتِ إنْ شِئْتَ..

فَالْبَيْتُ خَالٍ تَمَاماً مَنِّي!

​جَمْرٌ..

جَمْرٌ..

يَتَنَاثَرُ فِي طُيُوفِ الرُّوحِ،

فَلَا نَارٌ تُدْفِئُ،

وَلَا رَمَادٌ يَسْتُرُ البَقَايَا.

هَكَذَا نَمْضِي..

نُغْلِقُ بَابَ الحِكَايَةِ

بِخِفَّةِ نَايٍ مَكْسُورٍ،

تَارِكِينَ لِلرِّيحِ وَحْدَهَا

أَنْ تُتِمَّ مَا عَجِزْنَا عَنْ قَوْلِهِ

فِي غُرْفَةِ الأَبَدِ.

مساحة إعلانية