مساحة إعلانية
المعرضُ يغلي..قاعةُ مصرَ الدوليةِ مزدحمةٌ حتى الاختناق, آلافُ الأقدامِ تدوسُ على السجادِ الأحمر، وآلافُ الأصواتِ تتصادمُ مع بعضها , باعةٌ ينادون، أطفالٌ يبكون، كُتّابٌ يضحكون لالتقاطِ الصور, ورائحةُ الحبرِ الجديدِ تختلطُ برائحةِ العرقِ والقهوةِ الرخيصة.
جلسَ "كاظم" خلفَ طاولةٍ خشبيةٍ صغيرة ,وجهُه شاحبٌ من تعبِ السفر.
رحلةٌ من بغدادَ إلى القاهرة استغرقت 14 ساعة: تفتيشٌ في المطار، تأخيرٌ في الطائرة، وحقيبةٌ ضاعت ثم عادت.
جاءَ يحملُ روايتَه الأولى واسمَه الذي لا يعرفُه أحدٌ هنا بعد.يدهُ توقّعُ بلا روح. "إلى أحمد... مع محبتي" "إلى سارة... دمتِ قارئة"
عيناهُ تائهتانِ في البحرِ البشريِ أمامَه، فجأة... دفعته فتاةٌ مسرعةٌ تحاولُ اللحاقَ بصديقتِها وسطَ الزحام،اصطدمَ كتفُها بكتفِه. تطايرتِ الأوراقُ الموقّعة، ومالَ فنجانُ القهوةِ الباردِ على طرفِ الطاولة , قفزَ كاظمُ واقفاً بعصبيةِ المُرهق: آسف ست، هاد ما يصير...الاعتذارُ خرجَ خالصاً، من وجعِ السفر , رفعَ رأسَه، اصطدمت عيناهُ بعينيها، سكنَ كلُّ شيء إلا دقات قلبه ,عيناها بنيتان، واسعتان، وفي قاعِهما حزنٌ قديم , نفسُ العيون التي تركها في بغدادَ منذ عشرِ سنوات.
لم يستوعبْ إلا حينَ سمعَ صوتَها وهي تنحني تلتقطُ الأوراقَ بهدوء: ولا يهمك أستاذ، فدوة لعمرك... تجمدَ.
اللهجةُ خرجت من فتاةٍ شعرُها أسودُ مضفورٌ، وملامحُها مصريةٌ قاهرية , سألها بصوتٍ مبحوح :عراقية؟
ابتسمت ابتسامةً صغيرةً أربكتْه أكثر: لا والله مصرية من شبرا.
ثم أكملت بالعراقي، بطلاقةٍ توجع: بس أحچي عراقي عدل، مو؟
أبهرتْه ، جرحتْه ،حركت بداخله صورة ظن أنها سقطت من على جدار الروح منذ زمن وتلاشت.
كيفَ لصوتٍ مصريٍ أن يحملَ كلَّ هذا الشوقَ العراقي؟ , مالَ عليها فوقَ الطاولةِ، غيرَ عابئٍ بالطابورِ الغاضبِ خلفَه: شلون؟ شلون لسانچ صار أحلى من لساني؟ منو اللي علّمچ؟ , نظرت إليه. للحظةٍ رأى فيها كلَّ ليالي بغدادَ الممطرة.
تنهدت بعمقٍ، كمن يرفعُ حجراً عن صدرِه، وقالت: حبٌ قديم... هو اللي علّمني .
ثم استدارت , انزلقت بينَ الأجسادِ والرفوفِ واختفت في زحمةِ المعرض.
كاظمُ واقفاً، القلمُ يرتجفُ في يده، والتوقيعُ التالي خرجَ مشوّهاً , وفي الخارجِ كانت مكبراتُ الصوتِ تنادي: "حفلُ توقيعِ الروائي كاظم البغدادي في القاعة A33
,لكن كاظمَ لم يعُد يسمع , كان يسمعُ فقط صدى كلمةٍ واحدة: "حبٌ قديم" ,
ويتساءلُ في سره: يا ترى.....؟