مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

التراث الإيراني وحماية الذاكرة المشتركة للإنسانية

2026-09-11 06:49 PM  - 
التراث الإيراني وحماية الذاكرة المشتركة للإنسانية
أحمد عبده طرابيك
إعلان بنك saib

 بقلم: أحمد عبده طرابيك 

      منذ بداية العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، في 28 فبراير 2026، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أكثر من مرة بمحو إيران من على خريطة العالم وإعادتها إلى العصر الحجري. هذا التهديد الأجوف ينم عن جهل وغير وعي بالحضارة الإيرانية العريقة التي تضرب بجذورها إلى ما قبل العصور الحجرية التي يتحدث عنها. فما زالت تلك الآثار والمعالم التاريخية والأثرية شاهدة على تلك الحضارات المتعاقبة وما قدمته للإنسانية، حيث تتجسد تلك الحضارات في مواقع التراث الإيراني المدرجة في قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وكذلك المواقع المرجة في القائمة المؤقتة لحين استيفاء معايير اليونسكو للإدراج في قائمة التراث العالمي. إلى جانب عناصر التراث الثقافي غير المادي. 
       إيران ليست مجرد دولة بحدود سياسية حديثة، ولكنها تمثل فضاءً حضاريًا تراكمت فيه طبقات التاريخ على مدى آلاف السنين، من الحضارات الإيرانية القديمة إلى الإمبراطوريات الأخمينية والفرثية والساسانية، ثم الحضارة الإسلامية بمختلف مراحلها، وصولاً إلى الدولة الإيرانية الحديثة. ولهذا فإن الحديث عن تدمير إيران لا يمكن فصله عن السؤال المتعلق بمصير التراث الإنساني الواسع الذي يتجاوز القيمة الوطنية إلى القيمة العالمية. 
     تضم إيران 30 موقعًا مدرجًا على قائمة التراث العالمي لليونسكو، بالإضافة إلى 57 موقعًا في القائمة الإرشادية المؤقتة، والتي تعد القائمة التمهيدية التي يتم فيها إدراج مواقع التراث بكل دولة حتي يتم فحص تلك المواقع ومطابقتها لمعايير اليونسكو للتراث العالمي. إلى جانب 27 عنصرًا من عناصر التراث الثقافي غير المادي المسجل لدى اليونسكو. وهذه المواقع التراثية وعناصر التراث الثقافي غير المادي، تكشف أن إيران واحدة من أهم مناطق التركّز الحضاري والتراثي في آسيا والعالم. فاليونسكو لا تسجل المواقع لأنها تنتمي إلى دولة معينة فحسب، وإنما لأنها تمتلك "قيمة عالمية استثنائية" تجعل المحافظة عليها مسؤولية تتجاوز الدولة التي توجد داخل إقليمها. 
     منحت اليونسكو مواقع التراث الإيراني المدرج بقائمتها للتراث العالمي حماية حتى في أوقات النزاعات. وقد أكدت اتفاقية لاهاي عام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح أن الممتلكات الثقافية تمثل تراثًا ذا أهمية لشعوب العالم كافة، وأن حمايتها لا ينبغي أن تتوقف على طبيعة الخلاف السياسي أو العسكري. كما أن اتفاقية التراث العالمي عام 1972 رسخت مفهوم المسؤولية الدولية المشتركة عن صون التراث ذي القيمة العالمية الاستثنائية. 
     تتجلى ضخامة التراث الإيراني في مواقع تمثل مراحل متباعدة من التاريخ. فقد بدأت إيران بتسجيل تراثها الحضاري والطبيعي منذ عام 1079، عندما سجلت ثلاثة مواقع دفعة واحد، هي، بيرسبوليس، تشوغا زنبيل، ميدان الإمام، في أصفهان. ثم توالي تسجيل مواقع "تخت سليمان، بازار قادش، بام ومشهدها الثقافي، السلطانية، بيستون، مجموعة الأديرة الرهبانية الأرمينية في منطقة أذربيجان الإيرانية، منظومة شوشتار الهيدرولية التاريخية، مجموعة البازار التاريخي في تبريز، مجموعة الخانقاه وحرم الشيخ صفيّ الدين في أردبيل، الحديقة الفارسية، كنباد قابوس، المسجد الجامع في أصفهان، قصر جولستان، شهر السخنة، مدينة شوشان أو سوسة، موقع ميمند الثقافي، القناة الفارسية، صحراء لوط، مدينة يزد التاريخية، المنظر الساساني الأثري في منطقة فارس، غابات هيركاني، السكة الحديدية العابرة لإيران، المشهد الثقافي في هورامان/ أورامنات، الخانات الفارسية، هكمتانه، مواقع ما قبل التاريخ في وادي خرم آباد"، وهذا العام 2026 تم تسجيل موقع قلعة ألَموت والحصون التابعة لها.   
      أما القائمة المؤقتة فقد ضمت 57 موقعًا، بدأت بإدراج ستة مواقع دفعة واحدة عام 1997، هي، "مسجد الجامع في أصفهان، المجموعة التاريخية لقصر شيرين، فرقة فيروز آباد، اسكت، نقش رستم ونقش رجب، شريط سيالك"، ثم تم ادراج باقي المواقع "طق بستان، كوه خواجا، برسبوليس والمباني الأخرى ذات الصلة، المحور التاريخي الثقافي لفين وسيالك وكاشان، المجموعة التاريخية لقصر شيرين، النصب التذكاري التاريخي لكانغافار، مدينة مايبود التاريخية، ميناء سيراف التاريخي، سوق القيصرية في لار، قرية ابيانه التاريخية، بسطام وخرجان، النسيج التاريخي لدامغان، المشهد الثقافي الطبيعي في رامسار، مسجد كبود، المشهد الثقافي طوس، مدينة ماسولة التاريخية، مجمع إزادخاست، زوزان، جيروفت، الغزنوي- المحور السلجوقي في خراسان، جزيرة قشم، منطقة أراسباران المحمية، سبالان، حديقة خبر الوطنية ومحمية روشون للحياة البرية، كهف أليسدر، طريق الحرير، المشهد الطبيعي والتاريخي في إيزيه، فرقة الزندية في محافظة فارس، الهيكل التاريخي والثقافي لكرمان، مجموعة الجسور التاريخية، توران محمية المحيط الحيوي، بحيرة هامون، منطقة حارا المحمية، دماوند، طواحين الهواء التقليدية- آسباد، المجمع الطبيعي التاريخي/ كهف كرافتو، المجمع المقدس للإمام الرضا، التراث الصناعي للنسيج في الهضبة الوسطى لإيران، قباب الملح في إيران، سور جرجان العظيم، البيت الفارسي في الهضبة الوسطى لإيران، جامعة طهران، دير القديس أمنابركيتش- فانك في جلفا الجديدة، شارع ولي عصر، الترشيح المتسلسل للتراث المعماري الحديث في طهران، تشغا سفلى- المشهد الطقسي في تشغا سفلى، عمارة المستوطنات التاريخية على السواحل الشمالية للخليج الفارسي (سيراف، كونغ، لافت، كيش، ومكران)، المشهد الثقافي لميناء كونغ التاريخي، أشجار إيران المعمرة، مجمع خانقاه وضريح الشيخ أحمد جام- مزار جام، المسجد الفارسي. 
      وتضم عناصر التراث الثقافي غير المادي 27 عنصرًا، بقائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، هي، "آيينه ‌كاري، فن تزيين الأسطح بالمرايا في العمارة الفارسية، احتفالات مهرجان، فن صناعة وعزف آلة الرباب، النوروز، الإفطار، فن التذهيب، احتفالات سده، تربية دودة القز والإنتاج التقليدي للحرير، يلدا/ تشيلا، فن التطريز على الطراز التركماني، صناعة وعزف آلة العود، البرنامج الوطني لصون فن الخط التقليدي في إيران، رحلة الحج إلى دير القديس تاديوس الرسول، فن المنمنمات، المهارات التقليدية لصناعة وعزف آلة الدوتار، فن صناعة وعزف آلة الكمانجة، تشوغان- لعبة تُمارس على ظهور الخيل وتصاحبها الموسيقى وسرد القصص، ثقافة صنع وتقاسم الخبز المسطح- لافاش- كاتيرما- جوبكا- يوفكا، طقوس قالیشویان في مشهد أردهال بمدينة كاشان، نقالي- فن سرد القصص الدرامي الإيراني، المهارات التقليدية لبناء وإبحار قوارب اللنج الإيرانية في الخليج الفارسي، المهارات التقليدية لحياكة السجاد في كاشان، المهارات التقليدية لحياكة السجاد في فارس، موسيقى البخشين في خراسان، طقوس الباهلواني والزورخانة، فن التعزية الدرامي الطقسي، الرديف في الموسيقى الإيرانية". بالإضافة إلى ثلاثة عناصر مرشحة للقائمة في عام 2026، هي "صناعة اللباد التقليدية، تقاليد مهد الطفل وغناء التهليلات، تقليد تكريم المياه والمطر: تيرغان/ فاردفار". 
       مفهوم التراث الإيراني الذي تحميه اليونسكو لا يقتصر على الماضي السياسي للإمبراطوريات الإيرانية، وإنما يشمل العلاقة بين الإنسان والبيئة والطبيعة. ويكشف وجود 57 موقعًا إيرانيًا على القائمة الإرشادية المؤقتة عن حجم أكبر بكثير مما يظهر في قائمة التراث العالمي النهائية. فالقائمة المؤقتة هي في جوهرها خريطة للثروة التراثية التي يمكن أن تدخل مستقبلاً في نظام الحماية الدولية للتراث العالمي. وهي تشمل مواقع ومدنًا ومناطق طبيعية ومظاهر ثقافية تمثل أجزاء من الذاكرة الإيرانية لم تحصل بعد على الاعتراف النهائي من لجنة التراث العالمي. كما تمثل عناصر التراث الثقافي العالمي غير المادي في إيران المدرجة في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي العالمي غير المادي جانبًا من الثقافة الإيرانية التي أنتجها الإنسان عبر العصور المختلفة. فالتراث غير المادي يشمل المعارف والمهارات والموسيقى والاحتفالات والحرف والفنون والممارسات الاجتماعية التي تنتقل من جيل إلى آخر. حيث يضم هذا التراث التقاليد والحرف اليدوية والموسيقى والاحتفالات وأساليب الطهي والمهارات التقليدية. ويمثل ذلك نموذجًا واضحًا للتراث الذي نشأ في فضاء حضاري تاريخي ويشكل يصبح جسرًا ثقافيًا بين المجتمعات المتعددة. 
     يمثل التراث الإيراني ذاكرة للتفاعل بين الحضارات. فإيران كانت عبر التاريخ نقطة اتصال بين بلاد الرافدين وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية والقوقاز والأناضول والعالم العربي. ومرت عبر أراضيها طرق التجارة القديمة، وانتقلت من خلالها السلع والأفكار واللغات والفنون والتقنيات. ولذلك فإن مواقعها التاريخية والأثرية والحضارية لا تحكي "قصة إيران" وحدها، وإنما تساعد العالم على فهم تاريخ التفاعل الحضاري في آسيا. ومن هنا تبدو أهمية حماية التراث الإيراني كجزء من حماية الذاكرة المشتركة للإنسانية. 

مساحة إعلانية