مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

فيتنام في ذكرى الاستقلال .. بقلم: أحمد عبده طرابيك

2026-09-11 11:57 AM  - 
فيتنام في ذكرى الاستقلال .. بقلم: أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك
إعلان بنك saib

 تمثل ذكرى استقلال فيتنام محطة بارزة في تاريخ البلاد الحديث، ليس فقط باعتبارها ذكرى إعلان الاستقلال في الثاني من سبتمبر 1945، وإنما بوصفها رمزًا لمسار طويل من مقاومة الهيمنة الأجنبية وبناء الدولة الوطنية. ففي هذا اليوم وقف هو تشي منه في ساحة با دينه بالعاصمة هانوي، وأعلن استقلال جمهورية فيتنام الديمقراطية، مستندًا إلى إرادة شعب خاض عقودًا من النضال من أجل تقرير مصيره. وكان إعلان الاستقلال لحظة سياسية وتاريخية أسست لمرحلة جديدة، أصبح فيها الاستقلال الوطني مرتبطًا ببناء دولة حديثة قادرة على حماية سيادتها وتحقيق التنمية. 
       برز هو تشي منه بوصفه الشخصية الأكثر تأثيرًا في بلورة الحركة الوطنية الفيتنامية الحديثة. وقد ارتبط مشروعه السياسي بفكرة الجمع بين التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية، مع الاستفادة من التجارب العالمية في حركات التحرر. وفي عام 1930 تأسس الحزب الشيوعي الفيتنامي، الذي أصبح لاحقًا القوة السياسية الرئيسية في قيادة النضال ضد الاستعمار. 
وخلال الحرب العالمية الثانية تعرضت الأراضي الفيتنامية للاحتلال الياباني مع استمرار الوجود الفرنسي. وفأسس هو تشي منه جبهة "فييت منه" عام 1941، وركزت على توحيد القوى الوطنية لمقاومة الاحتلال واستعادة الاستقلال. ومع انهيار اليابان في أغسطس 1945، أطلقت الحركة الوطنية "ثورة أغسطس" التي أدت إلى السيطرة على عدد من المدن والمراكز الرئيسية. وفي الثاني من سبتمبر 1945 أعلن هو تشي منه استقلال فيتنام أمام حشود كبيرة في هانوي، معلنًا قيام جمهورية فيتنام الديمقراطية. واستند إعلان الاستقلال إلى مبادئ عالمية تتعلق بحق الشعوب في الحرية والمساواة وتقرير المصير، وهو ما منح الوثيقة الفيتنامية بعدًا يتجاوز الإطار المحلي. 
      لم ينه الاستقلال الصراع على مستقبل البلاد. فقد عادت فرنسا إلى محاولة استعادة سيطرتها على الهند الصينيةعام 1946. واستمر الصراع حتى الهزيمة الفرنسية في معركة ديان بيان فو عام 1954، التي أصبحت واحدة من أشهر المعارك في تاريخ حركات التحرر في القرن العشرين. وأدت اتفاقيات جنيف عام 1954 إلى تقسيم فيتنام مؤقتًا عند خط العرض السابع عشر، وهو تقسيم كان يفترض أن يكون مرحلة انتقالية تسبق انتخابات عامة لإعادة توحيد البلاد. إلا أن التطورات السياسية الدولية والإقليمية أدت إلى استمرار الانقسام، فظهرت جمهورية فيتنام الديمقراطية في الشمال، بينما قامت جمهورية فيتنام في الجنوب بدعم أمريكي وغربي. 
       دخلت فيتنام حربًا جديدة كانت أكثر دموية واتساعًا. وتحولت البلاد إلى ساحة رئيسية من ساحات الحرب الباردة، وتداخل فيها الصراع الوطني على الوحدة والاستقلال مع التنافس الدولي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي والصين. واستمرت الحرب الأمريكية في فيتنام سنوات طويلة، وتعرض الشعب الفيتنامي لخسائر بشرية ومادية هائلة. وكانت الحرب أيضًا اختبارًا لقدرة المجتمع الفيتنامي على الصمود. فإلى جانب العمليات العسكرية، اعتمدت القيادة الفيتنامية الشمالية على تعبئة اجتماعية واسعة، وعلى شبكات معقدة من الإمداد والدعم، وعلى استراتيجية طويلة الأمد تقوم على استنزاف الخصم سياسيًا وعسكريًا. وفي المقابل، استخدمت الولايات المتحدة قوة عسكرية ضخمة، وشهدت الحرب قصفًا واسعًا واستخدام مواد كيميائية، من بينها العامل البرتقالي، ترك آثارًا بيئية وصحية امتدت لعقود. وفي يناير 1973 تم توقيع اتفاقيات باريس، التي نصت على وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الأمريكية. واستمر القتال بين القوات الفيتنامية حتى أبريل 1975، عندما سقطت سايجون، وانتهت الحرب بانتصار الشمال. 
      في الثاني من يوليو 1976 أُعلن رسميًا توحيد البلاد تحت اسم جمهورية فيتنام الاشتراكية، وأصبحت هانوي عاصمة الدولة الموحدة، بينما تغير اسم سايجون إلى مدينة هو تشي منه تكريمًا للزعيم الذي توفي عام 1969. وقد اكتمل، بعد أكثر من ثلاثة عقود من إعلان الاستقلال عام 1945، المسار الأساسي الذي ربط بين الاستقلال والوحدة الوطنية. إلا أن فيتنام الموحدة ورثت اقتصادًا مدمرًا، وبنية تحتية محدودة، ومجتمعًا أنهكته عقود من الحرب، الأمر الذي جعل بناء السلام والتنمية تحديًا لا يقل صعوبة عن تحقيق النصر العسكري. 
     دخلت فيتنام مرحلة ما بعد الحرب وهي تواجه مجموعة ضخمة من التحديات. فقد كانت قطاعات واسعة من البنية التحتية مدمرة، والإنتاج الزراعي يعاني مشكلات كبيرة، كما كانت البلاد تعاني نقص رأس المال والتقنيات الحديثة، فضلًا عن آثار الحرب الاجتماعية والبيئية. ورغم تحقيق بعض المكاسب في مجالات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، فإن الاقتصاد واجه أزمات حادة، من بينها انخفاض الإنتاجية، ونقص السلع، وارتفاع التضخم، وضعف القدرة على جذب الاستثمار. وأدركت القيادة الفيتنامية تدريجيًا أن استمرار النموذج الاقتصادي القديم لم يعد قادرًا على توفير متطلبات الدولة والمجتمع. ومن هنا جاءت نقطة التحول التاريخية في المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الفيتنامي عام 1986، عندما أطلقت سياسة "دوي موي" أو "التجديد"، التي أصبحت الأساس الاقتصادي لمسيرة التحول الفيتنامية الحديثة. وكان "دوي موي" بمثابة إعادة صياغة واسعة لآليات إدارة الاقتصاد. فقد اتجهت الدولة إلى الاعتراف بدور أكبر للسوق، وتشجيع القطاع الخاص، وإصلاح الزراعة، وتطوير علاقات التجارة والاستثمار مع الخارج، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مع استمرار الدولة في تحديد الأهداف الاستراتيجية للتنمية. 
     كان إصلاح الزراعة من أهم عناصر التحول. فقد أدى منح الأسر الزراعية دورًا أكبر في اتخاذ القرارات الإنتاجية وإدارة الأراضي إلى رفع الإنتاجية، وساعد في تحويل فيتنام من دولة تعاني مشكلات في توفير الغذاء إلى واحدة من كبار مصدري الأرز عالميًا. كما بدأت البلاد في بناء قاعدة صناعية جديدة، مستفيدة من انخفاض تكاليف الإنتاج، والقوة العاملة الشابة، والاستقرار السياسي، والموقع الجغرافي المهم في جنوب شرق آسيا. ومع مرور الوقت أصبحت فيتنام جزءًا متزايد الأهمية من سلاسل القيمة الصناعية الآسيوية والعالمية. 
     كان الانفتاح الخارجي أحد أهم مكونات التجربة الفيتنامية. فقد بدأت هانوي في تطبيع علاقاتها مع العديد من الدول والمؤسسات الدولية، وأصبحت سياسة الاندماج الاقتصادي وسيلة أساسية لتسريع التنمية. وفي عام 1995 انضمت فيتنام إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا "آسيان"، وهو قرار استراتيجي وضعها بصورة أكثر رسوخًا داخل البنية الاقتصادية والسياسية لجنوب شرق آسيا. ثم انضمت فيتنام إلى منظمة التجارة العالمية عام 2007، الأمر الذي عزز ارتباطها بالنظام التجاري العالمي. وتزامن ذلك مع توسع كبير في اتفاقيات التجارة الحرة التي أبرمتها البلاد، بما في ذلك اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي، واتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ CPTPP، واتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة RCEP. وأصبحت هذه الاتفاقيات جزءًا من استراتيجية فيتنام لتنويع الأسواق وتقليل مخاطر الاعتماد على سوق واحدة، وجذب الشركات العالمية التي تبحث عن قواعد إنتاج في آسيا. وقد ساعد ذلك على ظهور فيتنام كمركز صناعي مهم في مجالات الإلكترونيات والمنسوجات والأحذية والأثاث والمنتجات الزراعية والسلع الاستهلاكية. وأصبحت شركات دولية كبرى تعتمد بصورة متزايدة على المصانع الفيتنامية ضمن شبكات إنتاجها العالمية. 
     من أبرز مظاهر النهضة الاقتصادية الفيتنامية التحول من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة إلى اقتصاد متعدد القطاعات تزداد فيه أهمية الصناعة والخدمات.
وقد لعب الاستثمار الأجنبي المباشر دورًا محوريًا في هذا التحول، حيث استقطبت فيتنام شركات من كوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة والصين والولايات المتحدة وأوروبا وغيرها. وأسهمت هذه الاستثمارات في نقل التكنولوجيا، وخلق فرص العمل، وتطوير الصادرات، وربط الاقتصاد الفيتنامي بشبكات الإنتاج العالمية. وأصبحت الصناعات الإلكترونية نموذجًا واضحًا على هذا التحول. فقد تطورت فيتنام إلى قاعدة إنتاج رئيسية للهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية ومكوناتها، واستفادت من وجود شركات عالمية كبرى ومن سياسة حكومية هدفت إلى تطوير البنية التحتية الصناعية ومناطق التصنيع. ولم تعد المنافسة الفيتنامية تقوم فقط على انخفاض تكلفة العمالة، وإنما تتجه الدولة بصورة متزايدة إلى تطوير المهارات، والتعليم التقني، والتحول الرقمي، والصناعات ذات القيمة المضافة الأعلى. كما أصبح الاقتصاد الرقمي قطاعًا متناميًا، مع توسع التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية والتكنولوجيا المالية والشركات الناشئة. وتعمل الحكومة على تطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز استخدام التكنولوجيا في الإدارة والاقتصاد والخدمات العامة.
     لا يمكن فهم التجربة الفيتنامية من خلال مؤشرات الناتج المحلي والصادرات فقط. فقد ارتبط التحول الاقتصادي بتحسينات واسعة في عدد من المؤشرات الاجتماعية. ويعد التعليم أحد أبرز المجالات التي حظيت باهتمام الدولة. فقد حافظت فيتنام على معدلات مرتفعة نسبيًا للالتحاق بالتعليم الأساسي، وركزت خلال العقود الأخيرة على تطوير التعليم العالي والتقني، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد الجديد. كما شهدت خدمات الرعاية الصحية تحسنًا مهمًا، مع توسع التغطية الصحية وتحسين القدرة على الوصول إلى الخدمات الطبية. وأسهمت هذه السياسات في تحسين مؤشرات متوسط العمر المتوقع وخفض معدلات وفيات الأطفال مقارنة بما كانت عليه الأوضاع في العقود السابقة. وكان الحد من الفقر أحد أبرز إنجازات التنمية الفيتنامية. فقد شهدت البلاد انخفاضًا كبيرًا في معدلات الفقر منذ إطلاق إصلاحات «دوي موي»، مع انتقال ملايين المواطنين إلى مستويات معيشية أفضل. وتؤكد  التجربة أن التنمية لم تكن مجرد زيادة في حجم الاقتصاد، وإنما تضمنت تحولًا اجتماعيًا واسعًا، تمثل في توسع الطبقة الوسطى، وتحسن مستويات التعليم، وزيادة فرص العمل، وارتفاع معدلات امتلاك السلع والخدمات الحديثة.
      مع نمو الاقتصاد وتصاعد الضغوط البيئية، بدأت فيتنام تولي اهتمامًا أكبر للتحول الأخضر والطاقة النظيفة. فالبلاد معرضة بصورة كبيرة لتغير المناخ، ولا سيما دلتا نهر الميكونغ، التي تعد من أكثر المناطق حساسية لارتفاع مستوى سطح البحر والتغيرات في أنماط الأمطار وملوحة المياه. وفي مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ «COP26» عام 2021 أعلنت فيتنام هدف الوصول إلى صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050، وهو هدف أصبح جزءًا من توجهها طويل الأمد للتحول في قطاع الطاقة. وتملك فيتنام إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وقد شهدت السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا في مشروعات الطاقة المتجددة. إلا أن التحول الأخضر يفرض أيضًا تحديات تتعلق بتحديث شبكات الكهرباء، وتوفير التمويل، وتحقيق التوازن بين النمو الصناعي والالتزامات البيئية.
      كان نجاح التنمية مرتبطًا كذلك بسياسة خارجية اتسمت بالبراجماتية والتوازن وتنويع الشراكات. وتقوم الدبلوماسية الفيتنامية الحديثة على تجنب الارتهان إلى قوة واحدة، وبناء علاقات واسعة مع مختلف القوى الكبرى والدول المجاورة والمنظمات الإقليمية والدولية. ويكتسب هذا النهج أهمية خاصة بالنسبة لدولة تقع في بيئة جيوسياسية معقدة، حيث تتقاطع المصالح الصينية والأمريكية واليابانية والهندية وغيرها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. كما تؤدي فيتنام دورًا متزايدًا في المؤسسات متعددة الأطراف، انطلاقًا من قناعة بأن النظام الدولي متعدد الأطراف يوفر للدول المتوسطة والصغيرة مساحة أوسع لحماية مصالحها. وقد انعكس ذلك في مشاركتها النشطة في آسيان والأمم المتحدة، وفي توليها عضوية غير دائمة في مجلس الأمن الدولي مرتين 2008- 2009، 2020- 2021، فضلًا عن استضافتها قمة الولايات المتحدة وكوريا الشمالية في هانوي عام 2019. 
      تولي فيتنام أهمية متزايدة لعلاقاتها مع الدول العربية، سواء في المجالات السياسية والاقتصادية أو الثقافية والتعليمية. وتوفر الدول العربية فرصًا مهمة للتجارة والاستثمار والطاقة والسياحة، بينما تمثل فيتنام بالنسبة للدول العربية بوابة إلى سوق آسيان وسلاسل الإنتاج الآسيوية.  وتكتسب العلاقات المصرية- الفيتنامية أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبار مصر دولة محورية وذات موقع استراتيجي يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا، بينما تمثل فيتنام إحدى القوى الاقتصادية الصاعدة في جنوب شرق آسيا. 
     تتبنى فيتنام أهدافًا طموحة للتنمية طويلة الأجل، ترتبط ببلوغ وضع الدولة ذات الدخل المرتفع بحلول عام 2045، وهو العام الذي يتزامن رمزيًا مع مرور مئة عام على إعلان الاستقلال عام 1945. فالمسافة التي قطعتها فيتنام منذ الثاني من سبتمبر 1945 تختصر مسيرة شعب لم يكتفِ بتحقيق الاستقلال، بل سعى إلى تحويله إلى مشروع دائم لبناء الدولة. ومن ساحات الحرب إلى المصانع والموانئ والجامعات ومراكز التكنولوجيا، ومن اقتصاد زراعي محدود إلى اقتصاد مندمج في الأسواق العالمية، أصبحت فيتنام تقدم واحدة من التجارب الآسيوية الأكثر إثارة للاهتمام في الجمع بين الاستقرار السياسي والإصلاح الاقتصادي والانفتاح الدولي. 

مساحة إعلانية