مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

إغتيال الفطرة فى محراب المادة .. بقلم: ياسر نبيل

2026-04-03 05:19 PM  - 
إغتيال الفطرة فى محراب المادة .. بقلم:  ياسر نبيل
ياسر نبيل

تخيل عينيك تغلقان على كابوس حياة لم تخلق لها، دماء تسيل في شوارع "الحروب المزيفة" وتستباح الآوراح وكأنها بضاعة رخيصة، تدنت الاخلاق الى درك المهانة، تغيرت نفوس الناس الى ذئاب تترصد بعضها بعضا، ومادة تحكم كطاغية لا ترحم! هل هذا زماننا المفترض؟ ام اننا سجناء وهم مرعب يستبيح ارواحنا ويدفن مبادئنا حيا؟ استيقظ معي واندمج في هذا الصراخ المؤلم للحقيقة المفجعة!
الاخلاق، جوهر الإنسانية الأزلي، أغرقتها أمواج الخيانة والغش والعفن، كان الصدق علامة الكريم، والكرم باب الجنة، والعدل سيفا مشهورا. أما الآن، فالكذب أداة سياسية وتجارية، يبيع بها البشر أحلامهم الكاذبة على وسائل التواصل الاجتماعي، مقابل إعجابات ومتابعين. تغيرت نفوس الناس؛ أصبح الإنسان ذئبا لأخيه، يطعنه في الظهر من أجل حفنة من المال أو منصب. الصداقة تحولت الى مصلحة مؤقتة، والحب الى صفقة تجارية، والأسرة أصبحت ساحة صراع على الميراث والممتلكات. كيف لنا أن نعيش في زمان يقدر الإنسان بمحفظته  وليس بقلبه؟ الفقير مطرود، والغني معبود، والبسطاء يغرقون في بحار اليأس.
والمادة، تلك الطاغية الجديدة، تسيطر على كل شيء. كل شيء يقاس بالمال،  الصحة تباع في صيدليات الاحتيال، والتعليم في جامعات الثروة، والحرية في أسواق العبيد الرقميين. الاستهلاك أصبح دينا جديدا،  نشتري أشياء لا نحتاجها بأموال لا نملكها، لنثبت وجودنا في عالم يقصي البسيط. تهاوت المبادئ أمام بريق الذهب، والشركات تسمم الشعوب بأجساد معلبة. أين الزهد الذي علمتنا إياه الأديان والفلسفات القديمة؟ أين الكرامة التي لا تباع؟ هذا الزمان يعلمنا أن السعادة في المال، لكنه يخفي عنا أن المال يفسد النفوس ويميت القلوب.
ايقاع العصر السريع، ذلك الوحش الذي يلتهم الوقت والصبر، يجعلنا عبيدا للساعة. كل شيء فوري: طعام سريع يملأ البطون بالسموم، علاقات سريعة تنتهي بضغطة زر، أخبار مزيفة تنتشر كالنار في الهشيم. الإنسان لم يعد يفكر، بل يتفاعل ويمضي. التوتر رفيق اليوميات، والاكتئاب وباء العصر، والانتحار مخرجا لمن لم يستطع مواكبة السرعة. هذا الايقاع يبعدنا عن التأمل والإيمان، عن الصلاة، عن اللحظات الهادئة التي كانت تعيد شحن النفوس. نعيش في دوامة لا ترحم، نفقد فيها أنفسنا قبل أن نفقد أحبابنا.

أما "الحروب المزيفة"، فهي الجرح الأعمق في جسدِ البشرية. ليست حروبا بين شعوب، بل صراعات مفتعلة خلف الكواليس: حروب اقتصادية تدعى تجارة، حروب إعلامية تبيح الكراهية، حروب تكنولوجية ترصد خصوصياتنا. كل ذلك في زمان يدعى الْحضاره والإنسانية. هذه الحروب تبيع الأرواح قطع غيار على مائدة الطغاة، تغرق العالم في دمار لا يرحم.

هل هذا زماننا المفترض؟ لا، إنه انحراف عن الفطرة الإنسانية الخيرة. الفطرة تدعو الى الخير والعدل والحب، لكن العصر يستعملنا كعبيد للمادة والقوة. لكن الأمل لم يمت. يبقى لنا أن نعود الى الله، نبني جزرا صغيرة من أخلاقنا في عالم الفساد. نكون الاستثناء الذي يعيد الإنسانية. 

في كل زمان فاسد، يبدأ التغيير من فرد واحد يستيقظ لفطرته. أنت وأنا، نحن البداية. لنكن نورا في العتمة، صوتا للحق في زمن الكذب، وشهودا للرحمن في عالم الظلم. 

فإن الإنسان يعلم لمن خلق، والأمل بيد رحمته ! {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِيْ عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}

مساحة إعلانية