مساحة إعلانية
بقلم: د. زبير سلطان رباني
كاتب وباحث في الفكر الإسلامي وقضايا الواقع المعاصر
يشهد العالم المعاصر تحولات متسارعة في الفكر والسياسة والإعلام وأنماط التأثير الاجتماعي، حتى غدت الأمة الإسلامية تتحرك داخل بيئة شديدة التعقيد في طريقة فهم الدين، وقراءة الواقع، وتنزيل النصوص على حياة الناس وقضاياهم المتجددة. وقد تجاوزت الفتن حدود الصراعات الظاهرة إلى مستوى أعمق يمسّ بنية الوعي، ويؤثر في علاقة المجتمعات بالعلم، ووظيفة العلماء، وطبيعة البيان الشرعي في زمن تتكاثر فيه المؤثرات وتتداخل فيه المرجعيات والخطابات.
ومع هذا التحول الواسع، اتّسعت مساحة الحضور اللفظي للدين؛ فكثرت المنابر، وتدفقت الفتاوى، وتعددت التعليقات والخطابات، بينما تراجع - في المقابل - الوعي المقاصدي القادر على وصل النص بالواقع، وربط الوحي بحركة الحياة، وتحويل العلم من مجرد نقلٍ للأقوال إلى مشروعٍ يبني الرؤية، ويرشد الاتجاه، ويمنح الأمة القدرة على التعامل المتزن مع تعقيدات العصر وتحولاته.
ومن هنا، لم تعد الإشكالية المعاصرة مرتبطة بضعف الخطاب أو قلة الحضور الدعوي؛ بل أصبحت مرتبطة بطبيعة المنهج الذي يحكم عملية الفهم والتنزيل، وبمستوى البصيرة القادرة على الجمع بين النصوص ومقاصدها، وبين الثوابت ومتغيرات الواقع، وبين الهداية الشرعية وتعقيدات الحياة الإنسانية.
وقد جعل القرآن الكريم وظيفة البيان من أعظم المسؤوليات التي يحملها العلماء؛ لأنها تتجاوز حدود التبليغ اللفظي إلى بناء الوعي، وكشف المعاني، وربط الوحي بحركة التاريخ والعمران، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187].
فالبيان في الرؤية القرآنية يمثل وظيفة إصلاحية تحفظ وعي الأمة، وتصون اتجاهها، وتعيد وصل النص بالحياة، وتجعل العلم قوة هداية وبناء واستقرار.
وعند هذه النقطة تتضح الإشكالية الكبرى التي يعيشها الخطاب المعاصر؛ إذ تتسع الفجوة أحيانًا بين النصوص الشرعية والواقع الإنساني، فتتحول بعض أشكال الخطاب إلى استهلاكٍ لفظيٍّ للنصوص أو معالجةٍ انفعاليةٍ للأحداث، في الوقت الذي تحتاج فيه الأمة إلى وعيٍ مركب يجمع بين فقه النص وفقه الواقع، وبين المقاصد والتحولات، وبين الهداية والتحليل.
ومن هنا، تتجه الأنظار إلى البصيرة بوصفها المدخل الأساس لإعادة بناء الوعي، وتجسير الفجوة بين النص والواقع، واستعادة وظيفة البيان في الهداية والإصلاح والعمران.
أولًا: البصيرة وبناء الوعي
تكشف الرؤية القرآنية أن البصيرة تمثل الأساس الحقيقي للبيان والدعوة والقيادة الفكرية؛ لأن الخطاب في التصور الإسلامي يقوم على عمق الفهم، ووعي المقاصد، وإدراك طبيعة الواقع وتحولاته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108].
فالبصيرة ليست معرفةً سطحيةً بالنصوص، وإنما قدرة على وصل الوحي بالحياة، وربط الهداية بأسئلة الإنسان، وتحويل العلم إلى أداة توجيه وإصلاح واستقرار. ولهذا ارتبط مفهوم البصيرة في القرآن بالتمييز، والنظر في المآلات، وفهم حركة الإنسان والمجتمع والتاريخ.
غير أن المشهد المعاصر يشهد اتساعًا هائلًا في التدفق الخطابي؛ إذ تحولت المنصات الإعلامية والرقمية إلى فضاءات مفتوحة للتوجيه والتعليق والفتوى، حتى غدت الأمة تعيش فيضًا متواصلًا من الأصوات والانفعالات والمواقف المتضاربة. ومع هذا الاتساع، ضعفت القدرة على القراءة المركبة للأحداث، وتحليل التحولات الفكرية والاجتماعية والنفسية التي يعيشها الإنسان المعاصر.
ولهذا تتحرك بعض الخطابات داخل دائرة الانفعال السريع وردود الأفعال المؤقتة، بينما يتراجع البناء العميق للرؤية، ويضعف الربط بين الوحي وحركة الحياة، فتدور قضايا الأمة داخل موجات متلاحقة من الحماسة العابرة دون مشروع معرفي قادر على صناعة الإدراك وترشيد الاتجاه.
وقد أشار القرآن الكريم إلى خطورة الانفصال بين ظاهر الخطاب وحقيقة الوعي حين قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهُ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]؛ لأن قيمة الخطاب في الرؤية القرآنية ترتبط بصدق المعنى، وسلامة الاتجاه، وأثره في بناء الإنسان والحياة.
ومن هنا، تتحدد طبيعة الأزمة التي تعيشها الأمة في مستوى الوعي الذي يقود الخطاب، وفي المنهج الذي يحكم عملية البيان والتنزيل والتوجيه.
ثانيًا: الوعي المقاصدي وتجسير الفجوة
يمثل الوعي المقاصدي الركيزة الأساسية في تجسير الفجوة بين النص والواقع؛ لأن المقاصد تحفظ روح الشريعة، وتمنح الخطاب قدرته على التعامل مع التحولات بوعيٍ واتزان، مع بقاء الصلة حيّة بين الأحكام وهدايات الوحي.
ولهذا لم يكن فقه المقاصد خروجًا عن النصوص، بل امتدادًا لروحها، وربطًا للأحكام بغاياتها، وتحقيقًا لمقاصد العدل والرحمة والاستقرار وصيانة الإنسان والمجتمع.
وقد راعت الشريعة منذ نزولها طبيعة الواقع الإنساني وتحولاته؛ فنزل القرآن الكريم مفرقًا على مدار ثلاثٍ وعشرين سنة، يواكب بناء الجماعة المسلمة، ويراعي تطور أحوالها وحاجاتها، قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: 106]. فتنزيل الوحي نفسه قام على مراعاة الواقع، وحكمة البناء، والتدرج في الإصلاح، بما يكشف أن العلاقة بين النص والحياة علاقة توجيهٍ وامتدادٍ وبناء.
كما ارتبطت بعض الأحكام بالقدرة والطاقة البشرية والظروف المحيطة بالناس؛ مما يعكس اتصال التشريع بحقائق الإنسان وأحواله، قال الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: 66]. وقد بيّنت الآية انتقال الحكم من ثبات الواحد أمام عشرة إلى ثباته أمام اثنين؛ مراعاةً لتغير حال الجماعة المسلمة وما طرأ عليها من ضعف.
وقد جسّد النبي ﷺ هذا الفقه العملي في تعامله مع اختلاف أحوال الناس وطاقاتهم؛ فجاءه رجل يسأله عن القبلة للصائم فرخّص له، وجاءه آخر فنهاه، فلما نظر الصحابة وجدوا أن الذي رخّص له شيخ كبير يملك إربه، والذي نهاه شاب. ويكشف هذا المثال النبوي أن الفتوى تتحرك داخل فهم الإنسان والسياق والمآل، بما يربط الحكم بحقيقة الواقع الذي ينزل عليه.
ثم سار الصحابة رضي الله عنهم على هذا الفقه العميق؛ فعمر بن الخطاب رضي الله عنه أوقف سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة، رغم وجود النص القرآني الصريح، معللًا ذلك بتغير الواقع وقوة الإسلام بعد ضعفه، وقال كلمته المشهورة: «إنّ الله قد أعز الإسلام وأغنى عنكم» (عمدة القارئ: 18/270). فكان ذلك تنزيلًا واعيًا للمقصد، وفهمًا لشرط الحكم وعلته.
كما أوقف رضي الله عنه حد السرقة في عام الرمادة بسبب المجاعة والاضطرار؛ لأن واقع الجوع أوجد شبهة تدرأ الحد، تطبيقًا لروح الشريعة ومقصد العدالة، وإعمالًا لفقه المآلات والضرورات.
وفي هذا السياق، قرر الإمام ابن القيم قاعدة عظيمة حين قال: «فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، فإن الجهل بهذا أوقع في الشريعة عسرًا وضيقًا وتكليفًا لا سبيل إليه» (إعلام الموقعين: 4/337). كما قال الإمام شهاب الدين القرافي: «والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين» (القرافي، الفروق: 1/177).
وأكد الإمام ابن عابدين هذا المعنى في رسالته «نشر العرف» بقوله: «العرف في الشرع له اعتبار، لذا عليه مدار الأحكام» (شفاء العليل وبل الغليل: 186)، مبينًا أن كثيرًا من الأحكام الاجتهادية تتبدل بتبدل الأزمان والأعراف والضرورات وأحوال الناس.
ومن خلال هذا البناء المقاصدي المتكامل، تتجلى قدرة الشريعة على الجمع بين الثبات والمرونة، وربط الأحكام بغاياتها، وتحويل النصوص من معالجاتٍ مجردة إلى أدوات هداية وإصلاح وبناء.
ثالثًا: فقه الواقع وصناعة التوازن
تكشف التجربة الإسلامية أن الخطاب الشرعي يتحرك داخل الإنسان والمجتمع والتاريخ، ويرتبط بطبيعة التحولات الفكرية والنفسية والاجتماعية التي يعيشها الناس.
ولهذا يؤدي الجمود على ظواهر النصوص بمعزل عن عللها ومآلاتها إلى صناعة خطاب منفصل عن الحياة، كما يؤدي الذوبان الكامل في الواقع والاستسلام للتحولات الفكرية والسياسية والثقافية المعاصرة إلى اضطراب الاتجاه وفقدان البوصلة المرجعية.
وقد أشار علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى هذا المعنى العميق بقوله: «حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله؟» (صحيح البخاري: 127). وهي كلمة تكشف أهمية مراعاة طبيعة الناس ومستويات إدراكهم عند الخطاب والتوجيه والبيان.
ومن هنا يتحقق الاتزان حين يجتمع فهم النص مع فهم الواقع، وحين تتحرك المقاصد داخل إطار الوحي، فينشأ عن ذلك وعيٌ قادر على الجمع بين الثبات والحركة، وبين الهداية والتحليل، وبين الأحكام ومآلاتها.
وقد لخّص الإمام ابن القيم هذه الحقيقة بدقة حين قال: «لا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى بالحق إلا بنوعين من الفهم: فهم الواقع، وفهم الواجب في الواقع» (إعلام الموقعين: 1/69).
غير أن فقه الواقع في حقيقته لا يقتصر على متابعة الأخبار أو معرفة الوقائع الظاهرة، بل يقتضي وعيًا مركبًا بطبيعة التحولات الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تصوغ حياة الناس وتؤثر في رؤيتهم وسلوكهم. فالفقيه البصير يقرأ الحدث في ظاهره وامتداداته، وينظر إلى ما وراءه من البنى والأفكار والمآلات والاتجاهات الحضارية.
وعند هذا المستوى، يتحول العالم من ناقل أحكام إلى صاحب بصيرة حضارية، قادر على تحليل الواقع، وربط الأحداث بسنن الله، وتوجيه الأمة وسط الفتن والتحولات، وصناعة خطاب يعيد للناس قدرتهم على الفهم المتزن وحسن الاختيار.
وفي زمن تتشابك فيه المؤثرات الفكرية والإعلامية والسياسية، يغدو فقه الواقع ضرورة لحماية الوعي من الاضطراب، ولتعزيز حضور الوحي في حركة الحياة، ولتمكين الخطاب الشرعي من أداء دوره في الهداية والبناء والاستقرار.
رابعًا: العلماء ووظيفة البيان
حين يضعف الوعي المقاصدي، ويتراجع فقه الواقع، تضيق وظيفة العالم أحيانًا داخل دائرة إعادة إنتاج الأقوال، بينما تتراجع قدرته على بناء الرؤية، وترشيد الحركة، وصناعة الوعي.
غير أن وظيفة العلماء في التصور القرآني تتجاوز حدود الإلقاء اللفظي؛ لأن العالم في زمن الأزمات يتحرك بوصفه صانع بصيرة، ومهندس توازن، ومرشدًا لحركة الأمة نحو الاستقرار والإصلاح والنهوض الحضاري.
ولهذا ظل العلماء الكبار عبر تاريخ الأمة يجمعون بين فقه النص وفقه الحياة، وبين العلم الشرعي وإدراك حركة المجتمع والعمران، حتى تحولت كلماتهم إلى أدوات بناء تحفظ التوازن الداخلي للأمة، وتحميها من الغلو والانهيار والتيه الحضاري.
وقد ربط القرآن الكريم بين العلم والخشية والبصيرة حين قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]؛ لأن العلم في الرؤية الإسلامية وعيٌ يورث الحكمة، ويمنح صاحبه القدرة على فهم حركة الحياة والناس والأحداث.
وفي زمن تتسارع فيه الفتن، وتتداخل فيه المؤثرات، تزداد حاجة الأمة إلى علماء يمتلكون القدرة على قراءة التحولات قراءة مركبة، تجمع بين الوحي والمقاصد، وبين الهداية والتحليل، وبين الثبات والوعي الحضاري.
فالعالم الحقيقي يبني البصيرة، ويكشف مواضع الخلل، ويربط الأمة بمعاني الرسالة، ويمنحها القدرة على استعادة الاتجاه وسط فوضى الأصوات وتدافع الخطابات.
ولذلك ارتبطت وظيفة العلماء عبر تاريخ الأمة بحراسة التوازن الداخلي للمجتمع، وترشيد حركته الفكرية والسلوكية، وتعزيز حضور القيم والمقاصد في حياة الناس، حتى يبقى الدين قوة بناء وإصلاح وعمران.
خامسًا: من الوعي إلى بناء الأمة
لا يتحول العلم إلى قوة حضارية بمجرد كثرة المعلومات أو اتساع المنابر، وإنما يتحول إلى طاقة بناء حين يصنع الوعي، ويمنح الأمة القدرة على الفهم المتزن، وحسن الاختيار، واستعادة الاتجاه وسط الاضطراب.
ولهذا، تحتاج الأمة اليوم إلى عقل فقهي حضاري يمتلك القدرة على الجمع بين النص والواقع، وبين الثوابت والتحولات، وبين المقاصد وتعقيدات العصر.
وعند هذا المستوى، يصبح العلم قوة حماية للأمة، ويتحول الخطاب إلى أداة لترميم التوازن الداخلي، وإحياء لمعنى الرسالة، وبناء لقدرة الأمة على استئناف النهوض بعد مراحل طويلة من التشتت والاضطراب.
وفي عالمٍ تتصارع فيه المشاريع والأفكار والهويات، يبقى الوعي الراشد أعظم أدوات الحماية الحضارية؛ لأنه يمنح الأمة مناعة فكرية وروحية، ويعيد وصل الإيمان بالحياة، والعلم بالبناء، والوحي بحركة التاريخ والإنسان.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى حين ربط التفقه بالإنذار وبناء الوعي الجماعي، فقال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122].
فالغاية من التفقه في التصور القرآني ترتبط بصناعة الوعي، وحماية المجتمع، وترشيد حركة الأمة، وبناء قدرتها على التمييز والبصيرة وسط الفتن والتحولات.
ومن هنا، يتحقق تجديد وظيفة العلماء عبر بناء خطاب يملك القدرة على استيعاب تعقيدات العصر، وفهم الواقع، وإدراك المآلات، وتحويل المقاصد إلى قوة إصلاح وتوازن وحماية حضارية، حتى يستعيد العلم دوره في صناعة الرؤية، وحراسة الوعي، وتوجيه الأمة نحو الاستقرار والنهوض الحضاري.
الخاتمة
تكشف وظيفة البيان في الرؤية القرآنية أن العلم يتحول إلى مشروع وعيٍ وهدايةٍ وبناء، يعيد وصل الوحي بحركة الإنسان والحياة والتاريخ.
ومن خلال هذا البناء المتكامل، تتضح معالم الأزمة التي يعيشها الخطاب المعاصر؛ إذ اتسعت مساحة الحضور اللفظي للدين، بينما ضعفت القدرة على تحويل النصوص إلى أدوات فهمٍ وإصلاحٍ وصناعة رؤية.
ولهذا، تمثل استعادة الوعي المقاصدي ضرورة لحماية التوازن الداخلي للأمة، وتجديد وظيفة العلماء، وإعادة وصل النص بالواقع، وربط العلم بحركة العمران والحياة.
وعندما يستعيد العلم رسالته في بناء البصيرة، ويستعيد العلماء قدرتهم على وصل الوحي بحركة الحياة، يتحول البيان من حضورٍ لفظيٍّ عابر إلى قوةٍ تصوغ الوعي، وتحرس الاتجاه، وتبني للأمة قدرتها على النهوض وسط عالمٍ تتكاثر فيه الفتن وتتعاظم فيه التحولات.