مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

عبد الستار سليم... حين يصبح العمر مشروعًا للمحبة بقلم همت مصطفي

2026-06-01 06:54 AM  - 
عبد الستار سليم... حين يصبح العمر مشروعًا للمحبة بقلم همت مصطفي
الشاعر والباحث عبد الستار سليم

في كل عام يأتي عيد الميلاد محملًا بالأرقام، لكن هناك أشخاصًا لا يُقاس عمرهم بالسنوات، بل بما تركوه في قلوب الناس من أثر، وما أضاءوه من طرق أمام الآخرين.
والشاعر عبد الستار سليم واحد من هؤلاء القلائل الذين تجاوزوا حدود التجربة الشخصية ليصبحوا مشروعًا ثقافيًا وإنسانيًا ممتدًا.
من يعرفه عن قرب يدرك أن سر حضوره الحقيقي لا يكمن في قصيدة كتبها، أو كتاب أصدره، أو جائزة تحمل اسمه، رغم أهمية كل ذلك، وإنما في تلك الروح التي لم تتعب من العطاء، وذلك الإيمان العجيب بأن المعرفة لا قيمة لها إن لم تُهدَ للآخرين.
على مدار عقود طويلة ظل يحمل همّ التراث الشعبي كما يحمل الأب طفله الوحيد؛ يجمعه، ويوثقه، ويدافع عنه، ويقدمه للأجيال الجديدة بكل ما أوتي من حب وصبر وإخلاص. لم يتعامل معه باعتباره مادة للبحث والدراسة فحسب، بل باعتباره جزءًا من هوية وطن وذاكرة شعب.
وربما كانت أكثر ما يلفت النظر في مسيرته أنه لم ينتظر مؤسسة تتبنى مشروعه، بل صنع المشروع بنفسه. لم ينتظر من يفتح الأبواب، فظل يفتح أبوابًا جديدة للآخرين. لم يبحث عن الأضواء، فصارت الأضواء تبحث عنه كلما ذُكر الإبداع الجاد والعمل الصادق.
كم من موهبة شابة وجد فيها بذرة تستحق الرعاية فساندها، وكم من مبدع شجعه بكلمة أو نصيحة أو فرصة، وكم من دارس أو باحث وجد عنده معلومة أو مرجعًا أو بابًا جديدًا للمعرفة.
وإذا كانت المؤسسات تُقاس بما تقدمه للناس، فإن عبد الستار سليم استطاع أن يؤدي دور مؤسسة كاملة وهو يتحرك بقلب شاعر، وعقل باحث، وروح إنسان يرى سعادته الحقيقية فيما يمنحه للآخرين.
وفي زمن أصبح فيه كثيرون يطاردون الشهرة، ظل هو يطارد القيمة. وفي وقت انشغل فيه البعض بجمع التصفيق، انشغل هو بجمع ما ينفع الناس ويبقى.
لهذا لم تكن محبة الناس له أمرًا طارئًا أو مجاملة عابرة، بل كانت نتيجة طبيعية لعمر طويل من البذل النبيل.
وفي عيد ميلاده لا أجد ما هو أجمل من الدعاء له بأن يمتد أثره كما امتدت أياديه البيضاء إلى الجميع، وأن يظل كما عرفناه دائمًا: شاعرًا كبيرًا، وباحثًا استثنائيًا، وإنسانًا يسبق إبداعه.
كل عام وأنت بخير يا شاعرنا الكبير.
وكل عام ومحبتك في القلوب تكبر، لأن بعض الأشخاص لا يصنعون قصائد فقط... بل يصنعون حياة أجمل لمن حولهم.

وعلى المستوى الشخصي، أحمد الله أن منحني فرصة الاقتراب من هذا الإنسان النبيل، فقد تعلمت منه أن الثقافة ليست كتبًا تُقرأ فقط، بل أخلاق تُعاش، وأن قيمة المبدع الحقيقية لا فيما يكتبه وحده، بل فيما يتركه من أثر طيب في نفوس الناس. وكلما مر الوقت ازددت يقينًا أن بعض الأشخاص يكونون هدية من الله لمن حولهم، وعبد الستار سليم واحد من هؤلاء.
عيد ميلاد سعيد 

مساحة إعلانية