مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

حين يوقظنا ألمُ غيرنا... بقلم مريم عماد رمزي

2026-04-30 03:05 PM  - 
حين يوقظنا ألمُ غيرنا... بقلم  مريم عماد رمزي
مريم عماد رمزى- كاتبة

نحن محظوظون أكثر مما نظن، وأكثر مما نملك من وعيٍ يعترف بذلك…

في كل يومٍ نقترب فيه من آلام الآخرين، ونلامس وجوه التعب التي أنهكها الانتظار، ينكشف لنا معنى آخر للحياة؛ معنى لا يُقال بوضوح، بل يُرى في العيون الصامتة و في الحروب التي لا تُري  . هناك ندرك أن أعظم ما نملكه ليس رفاهية العيش، بل القدرة على أن نشعر ونُعبّر، أن نتألم فنُفهم، لا أن نحترق في صمتٍ لا يجد من يترجمه.

نحن محظوظون لأننا نستطيع أن نخدم أنفسنا بأنفسنا، أن ننهض دون أن نستأذن أجسادنا، وأن نتحرك دون أن نفاوض الألم. تفاصيل نعدّها عادية، لكنها في حقيقتها استقلالٌ إنسانيّ لا يملكه الجميع.

ومحظوظون لأن رفاهيتنا ليست معلّقةً على أملٍ طبيٍّ مؤجّل، ولا على انتظار تحسّنٍ قد يأتي أو لا يأتي، بل نعيش بقدرٍ من العافية يجعل الحياة ممكنة، ويمنحنا مساحةً من الطمأنينة.

ونحن محظوظون لأن المرض، حين يزورنا، لا يتركنا وحدنا. نجد من يدلّنا، ومن يداوينا، ومن يخفف عنا، فلا نُترك في مواجهة الألم بلا سند.

وما أعظم نعمة الحركة… أن نمشي، أن نذهب ونعود، أن نحمل أجسادنا دون أن تثقلنا. نعمةٌ صامتة، لكنها حين تغيب تتحول إلى حلمٍ بعيد.

لكن، وبين كل تلك المشاهد، هناك وجوهٌ أخرى لا يُلتفت إليها كثيرًا… وجوه المرافقين.

أولئك الذين لا يمرضون في أجسادهم، لكنهم يذبلون في صمت. يقفون على حافة الألم، لا يملكون أن يخففوه ولا أن يهربوا منه. يحملون عن غيرهم عبء الوجع والعجز ، ويسندون من لا يستطيع الوقوف، بينما لا يجدون من يسندهم. يبتسمون ليُطمئنوا، ويصمتون لأن شكواهم ترفٌ لا يملكونه. ينامون بنصف قلب، ويستيقظون على قلقٍ كامل، يعيشون بين أملٍ يخافون أن يخيب، وخوفٍ يخجلون من التصريح به. يرون من يحبونهم يتألمون، ولا يملكون سوى الحضور… وذلك، في كثيرٍ من الأحيان، أشدّ أشكال الألم.

هؤلاء المعذّبون بصمت يمنحوننا درسًا آخر في الاحتمال؛ درسًا لا يُرى، لكنه يُحسّ في كل نظرةٍ مُرهقة، وفي كل محاولةٍ للعيش فقط… كأنها رفاهية.

كل يومٍ يمرّ علينا، نتأمل فيه ما حولنا، ندرك أننا محاطون بنِعَمٍ لا تُحصى، لكنها تختبئ خلف العادة حتى تكاد تُنسى. وهناك، في الجهة الأخرى من الحياة، من اجتمع عليه المرض مع العجز  والفقر وقلة الحيلة، فصار جسده امتحانًا يوميًا للصبر، وصارت أبسط تفاصيل العيش معركةً صامتةً من الاحتمال والثبات.

تلك الحالات لا تمرّ علينا مرورًا عابرًا، بل تترك فينا درسًا عميقًا: أن النعمة ليست في غياب الألم فقط، بل في القدرة على تجاوزه، وفي وجود ما يجعل الحياة ممكنة رغم كل شيء.

إنها نعم كثيرة نحياها دون أن نراها، حتى يذكّرنا غيابها عند غيرنا بحضورها فينا.

فلنحمد الله… لا على ما نملك فقط، بل على كل ما في حياتنا.

مساحة إعلانية