مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الشاعر فتحي عبد السميع : أنا صاحبُ العزاء

2026-05-15 07:43 PM  - 
الشاعر فتحي عبد السميع : أنا صاحبُ العزاء
الشاعر فتحي عبد السميع

كان أقربَ إليَّ من أشقّائي، وكنتُ أقربَ إليه من أشقّائه، أسراري عنده وأسرارُه عندي، لم يتحطَّمْ إلا بين يديَّ، ولم تنزلْ دموعُه إلا في بيتي.
دخل حياتي منذ أكثرَ من ثلاثين عامًا، ولم تكنِ البدايةُ، كان متأثِّرًا بأجواءِ دارِ العلوم، ولا يعترفُ إلا بالشعرِ العمودي، واصطدمَ بتجربتي ولغتِها الحداثيّةِ الغريبة وتمردِها علي بحورِ الشعر، واحتجنا إلي وقتٍ حتي صرنا صديقين حميمين.
كنّا نلتقي يوميًّا — في البداية — مرّةً في الصباح وأخري في المساء، سافرنا كثيرًا معًا، وكان يسكنُ معي في نفس الغرفة، ولا نتوقفُ حتي الصباح عن الحديثِ والضحكِ.
من يلتقِ به مرّةً يكتبْ عنه ألفَ كلمةٍ ببساطةٍ شديدة، لكنني لا أحبُّ الكلامَ الطويل، وتربكني الكتابةُ، ربما لأنني ساذجٌ، ولا أحبُّ التأكيدَ علي أنه رحل فعلا، وربما لأنني أشعرُ بتفرُّده وتميُّزه بشكل لا تستوعبه الكلمات التي تعيش معي. 
أعرفُ عنه الكثير، وأعرفُ ماذا كان يفعلُ في أيامهِ الأخيرة،
كان يتصلُ بالأصدقاءِ والصديقات، ويقولُ جملةً واحدة: «الأستاذ فتحي تعبان، ادعوا له»
كان يجبُ أن أراه قبلَ تكفينه، وأن أكونَ أولَ من يضعُ كتفيه تحت نعشه، وأن أكونَ الإمامَ في صلاةِ الجنازة، لأنني صاحبُ الواجب، ودعائي غيرُ أدعيةِ الآخرين.
جسدي ضعيفٌ، ولم يطاوعني وأنا أريد القفز إلي بيت البولاقي كي أراه للمرة الأخيرة، عليَّ أن أحاولَ اللحاقَ بالجنازة، وأن أمشيَ ما تبقّي لي من أيّامٍ خلفَ نعشِ الصديقِ الذي لم يُعكِّرني مرّةً منذ أكثرَ من ثلاثين عامًا.

مساحة إعلانية