مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الجميلي أحمد يكتب: جمال القصاص.. الشاعر الذي اختبأ داخل قصيدته

2026-05-07 05:15 PM  - 
الجميلي أحمد يكتب: جمال القصاص.. الشاعر الذي اختبأ داخل قصيدته
جمال القصاص

بمناسبة إقامة  منتدى الشعر المصري بحزب التجمع  ندوة لمناقشة ديوان تجرحني بخفة وتعلو للشاعر الكبير جمال القصاص أكتب اليوم عن قامة أدبية اسمه جمال القصاص
وحيث أني لم أدخل يومًا الدائرة الضيقة للشاعر جمال القصاص، ولم أكن من أولئك الذين يشاركونه تفاصيله اليومية أو جلساته الخاصة، لكنني  من الذين أحبوا جمال القصاص شاعرًا قبل أي شيء وربما لهذا أحاول هنا أن أقرأه من الزاوية التي أؤمن بها في هذه 
سلسلة الإنسان قبل النص، لا النص وحده.
أحيانًا يكفي أن تقرأ شاعرًا طويلًا حتى تشعر أنك تعرف طريقته في الحياة، طريقته في الصمت وحتى طريقته في النظر إلى الناس. وهذا ما حدث لي مع جمال القصاص. فالرجل لا يشبه الشعراء الذين يستهلكون حضورهم في الكلام الكثير أو المعارك المفتوحة أو صناعة الأسطورة حول ذواتهم. 
هناك دائمًا شيء متواضع وخافت فيه، كأنه يفضّل أن يترك القصيدة تتقدم بينما يبقى هو في الخلف قليلًا.
جمال القصاص ابن الريف المصري 
 ابن تلك المساحات التي لا تتكلم كثيرًا لكنها تترك أثرها طويلًا في الروح. 
ولد في كفر الشيخ وحمل معه من الريف ليس صورته التقليدية، بل ذلك الإحساس البعيد بالعزلة والاتساع والحنين الصامت. 
حتى حين عاش داخل القاهرة الثقافية بكل صخبها ظل محتفظًا بشيء من ذلك الفتى الذي يبدو كأنه ينصت للعالم أكثر مما يشارك فيه.
وحين تقرأ دواوينه تشعر أنك لا تقرأ شاعرًا يكتب من أجل البلاغة وحدها، بل إنسانًا يحاول أن يترك أثره الروحي على الورق.
 في خصام الوردة تبدو اللغة كأنها خارجة من منطقة حساسة بين الفقد والرغبة، وفي  شمس الرخام تشعر أن القصيدة تتحرك داخل عالم بارد ظاهريًا لكنه مليء بالارتجاف الداخلي. أما ما من غيمة تشغل البئر  فهو من تلك الدواوين التي لا تعتمد على الإدهاش اللغوي بقدر اعتمادها على بناء حالة كاملة من التأمل الإنساني، بينما تكشف السحابة التي في المرآة عن شاعر صار أكثر هدوءًا وأقل رغبة في تزيين العالم.
ثم تأتي دواوين مثل نساء الشرفات وجدار أزرق وتحت جناحي عصفور لتؤكد أن جمال القصاص لم يكن شاعر كتاب واحد أو مرحلة واحدة، بل شاعر ظل يتغير دون أن يفقد صوته الخاص. 
كان يخفف اللغة أحيانًا حتى تبدو كأنها شفافة تمامًا  ثم يعود ليزرع داخلها ذلك الغموض الخفيف الذي يشبه ظلال الروح.
وربما ما يلفتني في جمال القصاص أكثر من أي شيء آخر هو تلك البساطة غير المصنوعة. فبعض المثقفين يتعاملون مع البساطة كأنها أداء اجتماعي، بينما تبدو عنده جزءًا أصيلًا من تكوينه.
 لا تشعر معه بذلك التوتر الذي يصيب بعض الشعراء وهم يحاولون إثبات اختلافهم طوال الوقت. 
على العكس كان يبدو كأن الشعر عنده حالة طبيعية  لا مشروعًا لصناعة المجد الشخصي
حتى حضوره داخل المشهد الثقافي المصري ظل يحمل هذا الطابع. أحد أبرز شعراء جيل السبعينيات، ومن المؤسسين لتجربة إضاءة 77، وصاحب أثر واضح في تطور القصيدة الحديثة، ومع ذلك لا تشعر أنه تعامل يومًا مع نفسه باعتباره مركز الكون الثقافي.
 ربما لهذا بقيت علاقته بالكثيرين قائمة على الاحترام الإنساني قبل أي شيء آخر.
وأظن أن جمال القصاص من الشعراء الذين لا يمكن فهم نصوصهم بعيدًا عن طبيعتهم البشرية.
 لأن قصيدته لا تبدو منفصلة عنه بل كأنها امتداد لطريقته في العيش نفسها.
 الهدوء الذي في كلامه يشبه هدوء قصيدته، والحذر الإنساني الذي يبدو في حضوره تجده داخل جمله الشعرية  وحتى ميله للعزلة يظهر في طريقته الخاصة في بناء الصورة والمعنى.
لهذا فإن الكتابة عن جمال القصاص ليست محاولة لشرح شاعر كبير فقط
 بل محاولة للاقتراب من إنسان عاش الشعر بوصفه طريقة وجود، لا مجرد كتابة.
 إنسان لم يحتج إلى الصخب كي يترك أثره ولم يحتج إلى الادعاء كي يبدو مختلفًا.
 وربما لهذا بالذات بقي جمال القصاص واحدًا من الشعراء الذين كلما قرأتهم شعرت أن خلف القصيدة روحًا حقيقية ما تزال تمشي بهدوء داخل الكلمات.

مساحة إعلانية