مساحة إعلانية
تناولنا في المقال السابق نشأة جيل ألفا في ظل تحول مفهوم الثقافة من شكله التقليدي ليخضع لخوارزميات الذكاء الاصطناعي، واليوم سوف نري تأثير ذلك علي تشكيل الوعي. فهذا التحول لم يكن مفاجئًا بالكامل. فقد نبّه الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان مبكرًا في كتابة “فهم الميديا” الصادر عام ١٩٦٤م إلي أن “الوسيط هو الرسالة”، أي أن وسيلة الاتصال لا تنقل المحتوي فحسب، بل تعيد تشكيل إدراك الإنسان للعالم. وما نراه اليوم هو التطبيق الأقصي لهذه الفكرة؛ حيث لم تعد التقنية قناة محايدة، بل أصبحت بنية ثقافية كاملة تُعيد تعريف الزمن، والانتباه، والذاكرة، وحتي القيم. لقد ظل اقتناء الثقافة من خلال القراءة، عبر التاريخ الطويل للإنسانية، جوهرًا لبناء العقل والمعرفة، وبالتالي الحضارة الإنسانية برمتها.
ومع نشأة الإذاعة ثم أجهزة التلفاز، والقنوات التي تبثها الأقمار الصناعية، ظهر جيل آخر وجد طريقًا سهلًا للمعرفة، لكنه، بكل تأكيد، أقل مصداقية، لأنه قائم علي ما نشاهده ونسمعه، والذي أصبح لاحقًا موجَّهًا؛ حيث ظهر ما يُسمّي بالإعلام الموجَّه في مقابل إعلامٍ آخر معادٍ يقدّم أفكارًا مغايرة، وفي المنتصف غابت الحقيقة والمعلومة الموثقة. ورغم أن هذا الجيل نشأ في ظل أزمات حياتية طاحنة، إلا أن النخبة منه ظلت عالقة بين رفوف الكتب وسطور الصحف تبحث وتقارن لتقدّم نظريتها الخاصة وتصنع الفارق بينها وبين القديم، فلم تستسلم لما يُقدَّم لها من خلال القنوات التلفزيونية وبرامجها وأعمالها الفنية.
ولكن في السنوات القليلة الماضية، ومع سيطرة الهاتف الجوال علي عقول اليافعين من جيل ألفا، وظهور الذكاء الاصطناعي وبرامج التزييف العميق، أصبح العقل الإنساني عرضة للتغييب والبرمجة، مما يهدد بفقدان أهم ما يميّزه، وهو القدرة علي النقد والإبداع. سيظل التحدي الأكبر أمام هذا الجيل هو الحفاظ علي ما تبقي له من إرثه الثقافي، وتغيير نمطية التفكير، وبناء نظريات جديدة في الأدب والفن والنقد، ليُحدث هذا الاختلاف بينه وبين التطبيقات التكنولوجية الحالية، أو تلك التي سوف تُستحدث لاحقًا.
فهل سينتج لنا هذا جيلا أكثر وعيا أم سوف يتغير مفهوم الثقافة العميقة ليحل محله السطحية مما قد يؤدي في النهاية إلي نهاية الحضارة ذاتها. هذا ما سوف نتناوله في الأعداد القادمة.