مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

من قاعات الجامعات الإندونيسية لعقول الشباب ..الاهتمام بفكر علي الشرفاء الحمادي

2026-09-03 01:58 PM  - 
من قاعات الجامعات الإندونيسية لعقول الشباب ..الاهتمام بفكر علي الشرفاء الحمادي
علي محمد الشرفاء الحمادي
إعلان بنك saib

كتب : علاء عبدالله 
لا تبدو الفعاليات التي شهدتها جامعة مولانا مالك إبراهيم الإسلامية الحكومية في إندونيسيا مجرد لقاء فكري عابر بقدر ما تكشف عن مساحة متنامية للحوار حول علاقة الإنسان المعاصر بالقرآن الكريم، وكيف يمكن الانتقال من التعامل مع النص القرآني باعتباره مادة للحفظ إلى استحضاره باعتباره مصدرًا للفهم وبناء الوعي والقيم، ويكتسب هذا الأمر أهمية أكبر عندما يكون جمهور النقاش من طلاب الدراسات العليا والباحثين وأعضاء هيئات التدريس، لأن الحوار في هذه الحالة لا يتوقف عند حدود القاعة وإنما يمتلك فرصًا أكبر للانتقال إلى المؤسسات التعليمية والأجيال الجديدة.

اللافت في هذا المشهد أن الاهتمام بفكر المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي لم يظهر من خلال تقديم مؤلفاته بصورة منفصلة عن الواقع، وإنما جاء في إطار نقاش أوسع يتناول قضايا السلام والرحمة والعدل والتسامح والتعايش، وهي قضايا تتجاوز حدود الجغرافيا وتلامس احتياجات المجتمعات التي تبحث عن خطاب ديني قادر على مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية المعاصرة، ومن هنا يمكن فهم طبيعة التفاعل الذي شهده اللقاء مع أكثر من سبعين طالبًا من مرحلتي الماجستير والدكتوراه في تخصصي الدراسات الإسلامية والعربية.

يعكس الحوار المباشر مع هذه النخبة الأكاديمية جانبًا مهمًا من طبيعة الاهتمام، فالأسئلة والاستفسارات التي طرحها الطلاب حول منهج قراءة القرآن ومقاصده وآليات الاستفادة منه في الواقع المعاصر تشير إلى أن المسألة لم تكن مجرد استماع إلى عرض فكري، وإنما محاولة لفحص الأفكار ومناقشتها وربطها بالسياق الذي يعيش فيه الإنسان اليوم، وهذه النقطة تحديدًا تمنح اللقاء قيمته لأن الأفكار لا تكتسب حضورها الحقيقي بمجرد عرضها، وإنما بقدرتها على إثارة الأسئلة وفتح مساحات للنقاش.

كما أن تركيبة الحضور تضيف بعدًا آخر للمشهد؛ فوجود مدرسين وباحثين وأعضاء في هيئات التدريس بين المشاركين يجعل التأثير المحتمل لهذه الحوارات أوسع من نطاق المشاركين أنفسهم، فالمعلم والباحث والأستاذ الجامعي يمتلكون بطبيعة أدوارهم قدرة على إعادة تقديم ما يتلقونه إلى طلابهم ودوائرهم العلمية، وهو ما يجعل التواصل مع الجامعات أحد المسارات الأكثر فاعلية في انتشار الأفكار وتكوين النقاشات الجديدة حول القضايا الدينية والفكرية.

وفي الجانب الآخر، جاءت متابعة التصفيات النهائية لمسابقة "الشرفاء الحمادي" لتدبر وفهم القرآن الكريم لتقدم نموذجًا مختلفًا للتعامل مع القرآن يجمع بين الحفظ والتدبر والفهم، واستخدام تقنية "زووم" لإتاحة المشاركة أمام متسابقين من مناطق بعيدة يكشف كذلك عن قدرة المبادرات الحديثة على تجاوز الحواجز الجغرافية، وتحويل النشاط الثقافي والديني إلى مساحة مفتوحة أمام شريحة أكبر من الشباب.

وتحمل المنافسة بين الطلاب دلالة تتجاوز فكرة المسابقة ذاتها، إذ إن الجمع بين الحفظ والفهم والتدبر يضع المعرفة القرآنية أمام اختبار أكثر ارتباطًا بالوعي، وليس فقط بالقدرة على استظهار النص، وإذا نجحت مثل هذه المبادرات في ترسيخ هذا النوع من الاهتمام، فإنها قد تسهم في تشجيع الشباب على النظر إلى القرآن بوصفه نصًا يحتاج إلى التأمل والفهم واستحضار القيم والمقاصد، وليس مجرد مادة للحفظ.

والأهم أن المشهد الإندونيسي يطرح سؤالًا أوسع حول مستقبل الحوار الديني في المجتمعات الإسلامية، خاصة بين الأجيال الجديدة التي أصبحت أكثر انفتاحًا على مصادر المعرفة وأكثر قدرة على المقارنة وطرح الأسئلة، وهذه الأجيال لا تبحث بالضرورة عن تكرار الخطابات التقليدية بقدر ما تحتاج إلى مساحات تسمح لها بالسؤال والمناقشة وربط النصوص بقضايا الحياة اليومية.

من هذه الزاوية، يمكن قراءة الحضور المتزايد لفكر علي محمد الشرفاء الحمادي في بعض الأوساط الأكاديمية الإندونيسية باعتباره جزءًا من حوار أوسع حول تجديد أدوات فهم الخطاب الديني، وإعادة التركيز على قيم إنسانية مثل الرحمة والسلام والعدل والتسامح، وتظل القيمة الحقيقية لأي مشروع فكري مرتبطة بقدرته على الدخول في حوار مفتوح مع المتلقي والاستماع إلى أسئلته، وإتاحة المجال أمامه للتفكير والنقد والمناقشة.

وتكشف فعاليات جامعة مولانا مالك إبراهيم عن أن الجامعات يمكن أن تكون جسرًا مهمًا بين الفكر والمجتمع، خصوصًا عندما تتحول اللقاءات الثقافية إلى نقاشات حقيقية بين أصحاب الأفكار والباحثين والطلاب، كما أن الجمع بين النشاط الأكاديمي والمسابقات القرآنية يخلق نموذجًا يجمع بين المعرفة والحوار والتطبيق، ويمنح الشباب مساحة للتفاعل مع القضايا الدينية بعيدًا عن التلقي السلبي.

في النهاية، فإن المشهد الذي شهدته الجامعة الإندونيسية لا يمكن اختزاله في زيارة أو لقاء أو مسابقة، بل يعكس أهمية بناء جسور مستمرة بين المؤسسات الفكرية والأكاديمية، وفتح المجال أمام الشباب للتعرف إلى مشاريع فكرية متعددة ومناقشتها في بيئة علمية، وربما تكون الرسالة الأبرز أن الاهتمام الحقيقي بالقرآن لا يتوقف عند حدود الحفظ وإنما يبدأ حين يتحول النص إلى سؤال وفهم وقيمة وسلوك، وحين يصبح الحوار حوله وسيلة لبناء إنسان أكثر وعيًا بواقعه وأكثر قدرة على الإسهام في مجتمعه.

مساحة إعلانية