مساحة إعلانية
حملت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج لـ جمهورية مصر العربية، العديد من الرسائل المباشرة منها وغير المباشرة، سواء سياسية كانت أو دبلوماسية أو حتى عسكرية.
وتأتي الرسائل الأولى للزيارة، بـ التأكيد على الجذور التاريخية والحضارة التي تمتلكها كلا البلدين سواء مصر أو الصين، حيث يمتلك البلدين أقدام الحضارات التي عرفتها البشرية، وقد إنعكس ذلك بوضوح في إختيار القاهرة لإستضاقة هذه الزيارة، وذلك بما تمتلكه من تاريخ يعود إلى آلاف السنين، بجانب إختيار مكان إقامة الرئيس الصيني على ضفاف النيل، الذي كان شاهداً على مدار التاريخ على الحضارة المصرية العريقة.
وأيضاً إختيار المتحف المصري الكبير ليكون ضمن محطات زيارة الرئيس الصيني لـ مصر، والذي يمثل تسليط صريح على أهمية الإرث الإنساني و إسهامات الحضارات في تاريخ البشرية، وذلك بجانب أيضا إهتمام الوفد الصيني المرافق في الزيارة بكل ما يرتبط بـ الآثار والتراث والحضارة.
كما عكست الزيارة أيضاً، المكانة الإستراتيجية لـ مصر لدى الصين، حيث امتلكت القاهرة الريادة في إقامة العلاقات الدبلوماسية مع الصين على المستويين العربي و الإفريقي منذ عام 1956، حيث تمكنت البلدين من إقامة شراكة وتوافق كبير على مدار سبع عقود.
ومن بين أهم رسائل هذه الزيارة أيضاً، هو تحقيق توازن القوى في الإقليم الذي يقف على صفيح ساخن، وأيضاً التأكيد على أهمية تعددية الأقطاب في العالم، والإشارة إلى أن أحادية القطب التي تقود العالم حالياً أصبحت غير صالحة، وهذه الرسالة تحديداً تعتمد على مقومات الثقل السياسي التي تمتلكها كل من القاهرة وبكين، فـ الدور المصري محوري على مستوى الإقليم والعالم، وأغلب حلول الإشكاليات الدائرة في الإقليم تبدأ من القاهرة، كما تعد بكين رقم مهم في المعادلة الدولية، فـ هي أحد أقطاب العالم في عالم متعدد الأقطاب ستشرق شمسه قريباً.
لذا قدوم الرئيس الصيني لـ مصر، إشارة صريحة بأن بكين ليست بعيدة عن ما يحدث في الإقليم بل حاضرة و يمكنها تغيير قواعد اللعبة، بل و عرقلة مخططات سيد البيت الأبيض في المنطقة، التي هي بـ الطبع لا تصب في صالح الإقليم، بل بـ شكل مباشر تجري لـ صالح الكيان المحتل.
فيما تظهر و بقوة رسالة مهمة لهذه الزيارة، وهي التي إستحوذت على جانب كبير من الزيارة، و الممثلة في التعاون الإقتصادي بين القاهرة وبكين، و تعزيز الشراكة الصناعية بين البلدين، وقد تمثل ذلك في توقيع 25 إتفاقية ووثيقة بين مصر والصين، شملت توسيع المنطقة الصناعية الصينية في محور قناة السويس، وتعاون في مشروعات الطاقة المتجددة والذكاء الإصطناعي والتصنيع المحلي في صناعة السيارات الكهربائية والتحول الرقمي والتنمية المستدامة، والعمل على توسيع تبادل العملات المحلية خلال التعاون التجاري بين البلدين.
كما حملت الزيارة رسالة أخرى مهمة، حيث تعد القاهرة محطة رئيسية في مبادرة الحزام والطريق، وذلك نظراً للأهمية الإستراتيجية لـ موقع مصر الجغرافي، وهذا من خلال العمل على تحويل مصر لـ مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والإقتصاد الرقمي والطاقة يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وعلى مستوى القضايا الدولية، فقد أظهرت كل من بكين والقاهرة مواقف واضحة تجاه القضايا التي تستحوذ على الإهتمام لكلا البلدين على المستويين الدولي والإقليمي، وذلك من خلال تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال زيارة نظيره الصيني للقاهرة، على تمسك مصر بـ مبدأ الصين الواحدة، وهو ما يدعم بكين بشكل صريح في قضية تايوان، وعلى الجهة الأخرى، أكد الرئيس الصيني خلال تواجده في القاهرة على حق مصر في حماية أمنها المائي والغذائي، وهو ما يعد تأكيد صريح من بكين على دعم القاهرة في خلافها مع إثيوبيا بشأن الأمن المائي المصري.
ولم تنتهي الرسائل على المستوى الدولي عند هذا الحد، بل أكدت الصين على رفضها لـ مخططات تهجير الشعب الفلسطيني، ودعمها لإقامة دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشرقية، بجانب تأكيد الصين أيضاً على ضرورة تحقيق الإستقرار في منطقة القرن الإفريقي، وإحترام سيادة ووحدة الدول، في إشارة واضحة لدعم الموقف المصري في أهمية وحدة دولة الصومال.
وبين هذا وذاك، فإن هذه الزيارة وتوقيتها ورسائلها سواء المباشرة وغير المباشرة، تلاقي بـ ظلالها على التطورات على الساحة الإقليمية والدولية، كما تمتلك أهمية كبيرة بـ إعتبارها علامة مهمة في العلاقات المصرية الصينية.