مساحة إعلانية
يضع المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله "أين المسلمون؟" القارئ أمام سؤال يتجاوز حدود الانتماء الديني الشكلي إلى مساحة أكثر عمقًا تتعلق بحقيقة الالتزام برسالة الإسلام كما يطرحها القرآن الكريم، فالمقال لا ينشغل فقط بتعداد مظاهر الاختلاف بين المسلمين، وإنما يحاول إعادة توجيه النقاش إلى نقطة يعتبرها جوهرية: هل يكفي أن ينتسب الإنسان إلى الإسلام ويؤدي شعائره، أم أن الإيمان الحقيقي يفترض أن ينعكس بصورة واضحة على سلوكه وعلاقته بالآخرين؟.
ومنذ البداية، يبني الشرفاء الحمادي رؤيته على فكرة أن القرآن ينبغي أن يحتل موقع المرجعية الأساسية في فهم الدين، منتقدًا ما يراه ابتعادًا عن النص القرآني والانشغال بتفسيرات واجتهادات بشرية أصبحت، بحسب طرحه، حاضرة بقوة في تشكيل الوعي الديني، وهنا يفتح المقال بابًا واسعًا للنقاش حول العلاقة بين النص الديني والتراث الفقهي، وحول حدود الاجتهاد البشري في تفسير النصوص الدينية وتأثيره في تشكيل تصورات الناس عن الإسلام.
السؤال الأكثر حضورًا في المقال هو سؤال التفرقة، فالشرفاء الحمادي يرى أن تعدد الطوائف والمذاهب والجماعات الدينية أدى إلى حالة من الانقسام تتعارض مع دعوة القرآن إلى الاعتصام وعدم التفرق، وهذه الفكرة تمنح المقال بعدًا يتجاوز الخلاف الفقهي التقليدي، لأنها تربط بين الانقسام الفكري والديني وبين انعكاساته على المجتمعات خاصة عندما تتحول الاختلافات من مساحة طبيعية للاجتهاد إلى حالة من الخصومة أو الإقصاء أو الصراع.
لكن اللافت أن المقال لا يتوقف عند نقد التعدد المذهبي بل ينقل القضية إلى مستوى أكثر ارتباطًا بالإنسان نفسه، فبعد أن يطرح سؤال "أين المسلمون؟"، يبدأ في تفكيك معنى الإسلام من خلال مجموعة من الأسئلة الأخلاقية المباشرة: هل ظلم الإنسان غيره؟ هل اعتدى على حقوقه؟ هل حافظ على الأمانة؟ هل أحسن إلى والديه؟ هل عامل زوجته بالمودة والرحمة؟ وهل ساعد الفقير والمحتاج؟ وهل رد الإساءة بالحسنة؟.
وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط المقال؛ إذ يحاول صاحبه نقل مركز الثقل من "هوية المسلم" إلى "سلوك المسلم"، فالانتماء وحده وفق هذا الطرح، لا يصبح دليلًا مكتملًا على الإيمان ما لم يتحول إلى ممارسة يومية تظهر في العدل والرحمة والتسامح والإحسان واحترام الإنسان.
ويستند المقال في هذا الجانب إلى مفهوم تكريم الإنسان مستحضرًا الآية القرآنية التي تؤكد تكريم بني آدم، ثم يربط هذا التكريم بمبدأ المساواة بين البشر معتبرًا أن معيار التفاضل ليس المال ولا النسب ولا المكانة الاجتماعية وإنما التقوى والعمل الصالح، وهي زاوية تضع الأخلاق في قلب الخطاب الديني وتعيد تعريف التدين باعتباره مسؤولية تجاه الآخرين وليس مجرد علاقة فردية بين الإنسان وربه.
كما يلفت المقال الانتباه إلى مسألة المسؤولية الفردية أمام الله، فالشرفاء الحمادي يؤكد أن الإنسان سوف يقف منفردًا أمام الحساب بعيدًا عن السلطة والمال والأتباع والمكانة الاجتماعية، وبذلك ينتقل الخطاب من نقد الجماعات والطوائف إلى تحميل الفرد مسؤولية اختياراته وسلوكه وهي رسالة تحمل في جوهرها دعوة إلى مراجعة الذات بدلًا من الانشغال الدائم بالحكم على الآخرين.
ومن هذه الزاوية، يبدو عنوان "أين المسلمون؟" أقرب إلى سؤال نقدي مفتوح منه إلى سؤال يبحث عن إجابة مباشرة، فالمقصود ليس البحث عن المسلمين بوصفهم جماعة موجودة بالفعل، وإنما البحث عن النموذج الذي يرى الكاتب أنه ينبغي أن يجسد القيم القرآنية في الواقع، لذلك تتكرر في المقال الأسئلة المتعلقة بالظلم والكذب والغش والحقد وسوء الظن والإساءة إلى الآخرين، وكأن الكاتب يحاول وضع القارئ أمام مرآة أخلاقية يراجع من خلالها أفعاله قبل أن يبحث عن أخطاء الآخرين.
وتبرز كذلك رؤية واضحة بشأن الأسرة والتربية؛ فالمقال لا يحصر الإصلاح في الفرد وإنما يمده إلى العلاقة بالوالدين والأبناء والزوجة والمجتمع، فالأسرة، في هذا التصور، تمثل نقطة البداية في صناعة السلوك وما يتعلمه الأبناء من احترام وتسامح وصدق ورحمة يمكن أن يتحول لاحقًا إلى ثقافة اجتماعية أوسع.
أما الرسالة الأوسع التي يمكن استخلاصها من المقال، فهي أن مشكلة المجتمعات لا تكمن فقط في اختلاف الأفكار وإنما في الطريقة التي يتم بها التعامل مع الاختلاف، فالاختلاف عندما يتحول إلى تعصب وإقصاء وصراع يفقد قيمته الإنسانية، بينما يمكن أن يصبح الحوار وسيلة للتعارف والتكامل إذا ظل محكومًا بالاحترام والعدل.
وفي النهاية، يقدم مقال "أين المسلمون؟" رؤية نقدية تدعو إلى إعادة النظر في مفهوم التدين من خلال العودة إلى القيم التي يؤكد عليها النص القرآني وفي مقدمتها الرحمة والعدل والتسامح والإحسان وحفظ حقوق الإنسان، وقد تكون أهمية هذا الطرح في أنه لا يكتفي بالسؤال عن مدى معرفة الإنسان بالدين، وإنما يذهب إلى سؤال أكثر إحراجًا: ماذا فعل الإنسان بما يعرفه؟ وهل تحولت القيم التي يؤمن بها إلى سلوك حقيقي في حياته؟.
وبهذا المعنى، فإن السؤال الذي يطرحه المقال لا يبحث فقط عن "المسلمين" كهوية أو جماعة، بل يبحث عن أثر الإسلام في حياة الإنسان في بيته، وعمله، ومعاملاته، وعلاقته بالضعيف والمحتاج والمختلف عنه، وهنا يتحول السؤال من "أين المسلمون؟" إلى سؤال أعمق: أين تظهر القيم التي يقول المسلم إنه يؤمن بها في واقعه اليومي؟.