مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

مقاربة نقدية لديوان في حضرة التجلى للشاعر حسام عربى بقلم د. سعيد صادق

2026-04-24 01:31 AM  - 
مقاربة نقدية لديوان  في حضرة التجلى  للشاعر حسام عربى  بقلم د. سعيد صادق
د. سعيد صادق

توطئة

حسام عربى

***

موهبة شعرية جلية , وشلال شعرى متدفق وهادر , بلا مبالغة , وقد تأكد ذلك من خلال ديوانه الأخير ( في حضرة التجلى ) والذى يعد نقلة نوعية باتساع المدى , ولأول هولة يبدو الشاعر وكأنه  قد أغرق في قراءات صوفية أو تلبس بها واقعا , حيث جاءت قصائد الديوان كلها بلا استثناء بمفرداتها وتراكيبها وأخيلتها ومضامينها

في إطار صوفى رائق – وإن كان لنا بعض التحفظ – على بعض المفردات المغرقة في الشطط الصوفى والتى تذكرنا بشطحات الحلاج مثلا حيث دفع حياته ثمنا لها !

فقصائد الديوان كوكتيل طازج وشجن متفرد يمدنا بإشباع روحى غير عادى حيث استغرق بكل كيانه في مواقف وتجليات قد سبر غورها فأفرز لنا لآلىء ودررا صاغها في تراكيب وصور ماتعة مدهشة , كما أنه مغرم - كعادته في الأضداد - والتى تميز بها وهى هنا أكثر وضوحا ودلالة على تمكن الشاعر من أدواته , فليس كل مبدع يستطيع حشد هذا الكم الكبير من المقابلات التى تزين المعانى وتجليها .

أنا اللين والصدفة

 أنا القسوة والرحمة

 أنا النهار والعتمة

أنا الأضداد

أنا كل الأشياء وعكسها

أنا علة الوجود

 أنا قبل الوجود تكوينى

لاموت يفنينى

 أوقفت الكون بكف قدرتى ,,,

 ......

وإن كان هذا الاسترسال يوقع في المحظور دينيا أحيانا , إلا أنه وفى إطار القول النقدى المأثور : أعذب الشعر أكذبه , فلا بأس !

ومما وفق فيه الشاعر في هذا الديوان هو تنقله كالنحلة بين الضمائر , فهو يدهشك بانتقاله من أسلوب المتكلم إلى المخاطب إلى الغائب وهو مايسمى بلاغيا بأسلوب الالتفات , والذى يلفت ذهن المتلقى ويثير العقل ويقوى المعنى :

 هو الواحد الأحد

وأنا اثنان ...

وسوف يحيينى

فهات كأس العشق ..

مَن مِنا الكأس ؟!!

ومما يبرع فيه الشاعر في قصائد هذا الديوان لغة الحوار السائدة في معظم قصائد الديوان مما يعطى زخما وثراءً غير عادى , ويشد المتلقى لمتابعة القراءة :

إنه ينادى ..ياعبادى

يارب أنا عبدك

يارب أنا منك

فمن يُدانينى ؟!

والشاعر في هذا الديوان يشبه فرسا جامحا لايكبحه لجام , فهو يسترسل – استرسالا محمودا غالبا – متناقضا أحيانا , قد يكسر قوانين اللغة أو النحو أو العروض , لكن لجمال التشكيل وغرابة الألفاظ وسحر الصور والأخيلة , فهو تحليق في مجمله بهى عفى ثرى ... !

ويؤكد الشاعر هيامه وتحليقه الصوفى الخالص حين يهيم بصوغه لكلمات هى مديح خالص أو كالمديح , إذ تشعر وأنت تقرؤها أو تسمعها وكأنك في حضرة المنشدين والمداحين الكبار, يسن التهامى وأمين الدشناوى ,, وتتخيل الشاعر بأثماله البالية وتجلياته , فتهيم شوقا وتسمو روحك حبا وعشقا !

لو كنت عاقلا

مااخترت غيركم

لكنى مجنون بكم

أهذى

حبا وكلفا وصبابة بكم !

مافى الجبة إلا ...

فتسمو الروح وتشخص المقل

(فتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا)

وإن كان قد فات من طبع وكتب تنصيص الآية , فلابد من تنصيصها !

وأيضا ( في المهد صبيا ) ولاتكون صبيا على النصب إلا بسبق الفعل الناسخ (كان) كما بنص الآية الكريمة !

كما يبدو الشاعر من شدة ولهه وعشقه ذائبا في بحور العشق , فتتفجر ينابيع الحكمة من بين كلماته :

للثقوب ذنوب

والحب كروب

تقودنى إلى حروب

اختر الدرب قبل الرب

وإلا فكف ..

وهاهنا  فقف !

ومن القصائد الرائقة الرقراقة بالديوان قصيدة (أخلع سلطانى)

أخلع سلطانى

حال صبابتى ...

وأنزع جلد أعذارى

وأمشط شعر جنونى

وأهجر كل سُمارى

وأدق قضبان سفورى

في قلب خفائى

واحتفائى بألوان عطائى

ولا أحدَ يمسك بلحيتى ولا برأسى !

والشاعر لديه قدرة بارعة في توظيف التراث توظيفا جيدا ...

مما يشى بثقافته الواسعة , وذاكرته القوية

ولادنس التفاحة

أخرجنى من جنتى

جنتى هاهنا

مابين الجسد وجبتى

لاأحد إلاه !

وأيضا :

أنزلك

وسجد لعزتك الملك

وأيضا :

دم الحلاج مداد الحقيقة

فلا أحتاج إلا للجبة كى ألمسها

توضأ بدمك إذن

فقد حانت كل صلاة

حى على الصلاة

حى على الصلاة

حى على العشق ياحلاج !

وآخرا ...

ماتجدر الإشارة إليه في قصائد هذا الديوان بشكل مجمل أن الشاعر يترك لقلمه العنان فينطلق لايلوى على شيء داهسا بمداده العفى بعض قواعد اللعبة حتى يكسرها كالطفل الشقى !

وحقيقة انطلاقته هذه أنها سلاح ذو حدين , فهو لايحفل كثيرا ببعض التجاوزات في مفرداته أو معانيه وتراكيبه !

ربما تكون مقبولة أحيانا لأنه يغلفها بإطار من الغرابة أو إن شئت فقل الدهشة المقبولة !

ولعل هذا لايعيب القصائد ,,, مثلما كانت مقبولة جدا من أمير شعراء الرفض أمل دنقل والذى كان أحيانا كثيرة لايحفل بالوزن أو خروج النص عن سياق الدين أو العرف مادام يدهشك !

فالشاعر في حقيقته مبدع قادر على إدهاشنا وإمتاعنا ...

فهو المجذوب , الصادى , الحانى , الصب , المريد , الملاح , الذباح , المجنون , خارج أو داخل الحضرة لايهم !

***

*د. سعيد صادق  رئيس قسم اللغة العربية بكلية اللغات -جامعة قورقيت أتا بكازخستان

مساحة إعلانية