مساحة إعلانية
الشراكة المصرية السعودية تجاوزت مرحلة إثبات قوة العلاقات.. والاختبار الآن: ماذا سنجني اقتصاديًا؟
هناك لحظات في العلاقات بين الدول لا يعود فيها السؤال: هل العلاقات قوية؟وإنما يصبح السؤال الأكثر أهمية: ماذا فعلنا بهذه القوة؟وهذا تحديدًا ما أراه أمام الشراكة المصرية السعودية اليوم.
فالقاهرة والرياض لا تحتاجان إلى مزيد من شهادات التأكيد على متانة العلاقات السياسية والاستراتيجية؛ هذه حقيقة لم تعد محل جدل. لكن الاقتصاد لا يعرف المجاملات، ولا يقيس العلاقات بعدد اللقاءات والبيانات، وإنما يقيسها بحجم الاستثمار والتجارة والإنتاج والمشروعات وفرص العمل.
ومن هنا، فإن لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وما تضمنه من تأكيد على إزالة العقبات أمام التجارة والاستثمار، يضع الشراكة أمام اختبار أكثر صعوبة من اختبار التوافق السياسي: اختبار التنفيذ.
انتهى زمن «العلاقات الممتازة».. ماذا بعد؟
على مدار سنوات، كان من السهل أن نقول إن العلاقات المصرية السعودية في أفضل حالاتها.
لكن المستثمر لا يبني مصنعًا لأنه سمع أن العلاقات ممتازة، والمصدر لا يزيد صادراته بسبب قوة البيانات السياسية، والشركات لا توسع أعمالها لمجرد وجود توافق بين الحكومتين.
القطاع الخاص يريد طريقًا واضحًا، وإجراءات أسرع، وتكلفة أقل، وعائدًا يمكن حسابه.
وهنا تحديدًا يجب أن تنتقل الشراكة إلى مستوى آخر.
الاستثمارات السعودية في مصر التي تقدر بنحو 35 مليار دولار تمثل قاعدة مهمة، كما أن نمو الصادرات المصرية غير البترولية إلى السوق السعودية بنسبة 9.2% خلال النصف الأول من 2026، لتصل إلى نحو 1.649 مليار دولار، يعكس حركة اقتصادية قائمة بالفعل.
لكن السؤال الذي يجب ألا نخشى طرحه هو: هل هذه الأرقام تعكس كامل إمكانات العلاقة الاقتصادية بين البلدين؟الإجابة تفتح الباب أمام مساحة أكبر بكثير من الطموح.
عندما تتحدث القيادتان عن إزالة العقبات أمام التجارة والاستثمار، فلا ينبغي التعامل مع الأمر باعتباره ملفًا بيروقراطيًا هامشيًا.المعنى الاقتصادي أعمق من ذلك.العقبة الإجرائية تعني وقتًا، والوقت تكلفة. والإجراء المعقد يعني رأس مالًا معطلًا، والتكلفة المرتفعة تعني مشروعًا قد يؤجل أو استثمارًا قد يعاد حسابه.
لذلك فإن تسهيل التجارة ليس مجاملة للمستثمر، وإنما سياسة اقتصادية لها عائد مباشر.
المطلوب أن يشعر المستثمر المصري والسعودي بأن العلاقة السياسية القوية انعكست بالفعل على بيئة الأعمال، لا أن يظل هناك فارق بين سرعة القرار السياسي وبطء التنفيذ الإداري.
وهنا يبدأ الحساب الحقيقي.
المطلوب «مشروعات» لا «عناوين»
أعتقد أن أكبر فرصة أمام القاهرة والرياض ليست في تكرار نموذج الاستثمار التقليدي، وإنما في الانتقال إلى التكامل الإنتاجي.
نحن لا نحتاج فقط إلى مستثمر سعودي يدخل السوق المصرية، أو شركة مصرية توسع نشاطها في السعودية.
الأهم هو أن نرى شراكات تنتج معًا.
مصانع تخدم السوقين.
سلاسل إمداد مشتركة.
مشروعات زراعية وغذائية.
استثمارات في التكنولوجيا.
مراكز لوجستية.
مشروعات طاقة.
وشركات مصرية وسعودية تنطلق من البلدين إلى أسواق ثالثة.
هنا فقط يمكن أن تتحول العلاقة من مجرد تدفقات استثمارية إلى شراكة اقتصادية ذات عمق استراتيجي.
مصر والسعودية.. كل طرف يملك ما يحتاجه الآخر
المعادلة تبدو واضحة.
مصر لديها سوق كبيرة وقاعدة صناعية وبشرية واسعة وموقع جغرافي يمنحها نافذة مهمة على أفريقيا، بينما تمتلك السعودية قدرات استثمارية كبيرة ورؤية لتنويع اقتصادها وتوسيع حضور شركاتها واستثماراتها.
لكن امتلاك المزايا لا يعني تلقائيًا تحقيق التكامل.
التحدي هو أن نعرف كيف نربط هذه المزايا ببعضها.
وهنا يأتي دور الحكومتين في إزالة العوائق، ودور القطاع الخاص في اقتناص الفرص.
الدولة تفتح الطريق.. لكن الشركات هي التي يجب أن تسير فيه.
الربط الكهربائي.. النموذج الذي يجب أن يتكرر
مشروع الربط الكهربائي المصري السعودي، باستثمارات تقارب 1.8 مليار دولار وقدرة تصل إلى 3000 ميجاوات، يقدم صورة لما يمكن أن تكون عليه الشراكة عندما تتحول من الكلام إلى أصل اقتصادي قائم على الأرض.
المشروع ليس مجرد تبادل للكهرباء، وإنما خطوة نحو تكامل أكبر في أسواق الطاقة، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وفتح المجال أمام توظيف أكبر لمصادر الطاقة المتجددة مستقبلًا.
والسؤال هنا ليس فقط: ماذا أنجزنا؟
بل: كم مشروعًا آخر يمكن أن يأخذ المسار نفسه؟
هذه هي النقطة التي تستحق أن تكون على طاولة البحث الاقتصادي في المرحلة المقبلة.
المنطقة لا تمنح الاقتصاد رفاهية الخطأ
ولا يمكن الحديث عن التجارة والاستثمار بعيدًا عن أمن المنطقة.
البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز ليست مجرد نقاط على الخريطة؛ إنها شرايين للاقتصاد العالمي.
أي اضطراب فيها يرفع تكاليف النقل والتأمين ويضغط على سلاسل الإمداد، وفي النهاية يدفع المستهلك والشركات ثمنًا اقتصاديًا مباشرًا.
ومن هنا فإن الاستقرار الإقليمي ليس ملفًا سياسيًا منفصلًا عن الاقتصاد؛ إنه أحد شروط الاستثمار نفسه.
والآن.. لنضع الشراكة تحت المجهر
أرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تغيير طريقة قياس النجاح.
ليس المهم كم اتفاقية وقعنا.
ولا كم بيانًا صدر.
ولا كم مرة وصفنا العلاقات بأنها تاريخية واستراتيجية.
المهم هو:
كم مصنعًا؟ كم مشروعًا؟ كم استثمارًا؟ كم مليارًا إضافيًا في التجارة؟ كم شركة توسعت؟ وكم فرصة عمل نتجت؟
هذه هي لغة الاقتصاد.
وهذه هي اللغة التي يفهمها المستثمر.
إذا نجح البلدان في إزالة العوائق وتسريع الإجراءات وتوفير بيئة أكثر مرونة أمام القطاع الخاص، فإن قوة العلاقات السياسية يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية حقيقية.
أما إذا ظلت بعض الفرص عالقة بين الإجراءات والبيروقراطية وبطء التنفيذ، فستظل هناك فجوة بين حجم الطموح وحجم العائد.
الخلاصة: الشراكة الآن أمام مرآة الاقتصاد
في رأيي، الشراكة المصرية السعودية وصلت إلى نقطة لا تحتاج فيها إلى مزيد من التأكيد على قوتها، بقدر حاجتها إلى إثبات نتائجها.
وهذا ليس تقليلًا من قيمة العلاقات السياسية، بل هو احترام لها.
لأن أقوى العلاقات السياسية هي تلك التي تستطيع أن تنتج اقتصادًا أقوى.
والمرحلة المقبلة يجب ألا تكون مرحلة جديدة من الكلام عن الفرص، وإنما مرحلة اقتناص الفرص.
من الاتفاق إلى التنفيذ.
من الاستثمار إلى الإنتاج.
من التجارة إلى التكامل.
ومن قوة العلاقات إلى قوة العائد الاقتصادي.
وهنا تحديدًا سيكون الحكم للتنفيذ، لا للعناوين.
ففي الاقتصاد.. لا تكفي النوايا الحسنة، ولا تكفي الاتفاقات؛ الأرقام وحدها هي التي تتحدث في النهاية.