مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

عاطف طلب يكتب : القاهرة تتطور.. لكن من يدفع ثمن التطوير؟

2026-09-17 10:49 AM  - 
عاطف طلب يكتب : القاهرة تتطور.. لكن من يدفع ثمن التطوير؟
عاطف طلب
إعلان بنك saib

أشجار جامعة الدول العربية تحت المنشار.. هل أصبح تحديث القاهرة يمر فوق جذور ذاكرتها؟
لا أحد يرفض أن تتطور القاهرة، ولا أحد يمكنه أن يعترض على تطوير الطرق، وتحسين الحركة المرورية، ورفع كفاءة البنية الأساسية. فالعاصمة مدينة تتغير، واحتياجات سكانها تتغير معها، والمشروعات الكبرى أصبحت ضرورة لا رفاهية.
لكن هناك فرقًا بين أن نطوّر المدينة، وبين أن ندفع ثمن التطوير من رصيدها الأخضر.
المشهد الذي شهدته منطقة شارع جامعة الدول العربية بالمهندسين، مع إزالة عدد من الأشجار، يفتح بابًا أكبر من مجرد الحديث عن أشجار قُطعت. السؤال الحقيقي هو: هل كانت الإزالة هي الخيار الوحيد؟
وهل سبقتها دراسة حقيقية لكل البدائل الهندسية الممكنة للحفاظ على الأشجار القائمة، خصوصًا المعمرة منها؟
هذه ليست أسئلة ضد التطوير، وإنما أسئلة تفرضها قيمة المكان وحق المواطن في أن يعرف كيف تُتخذ القرارات التي تغير شكل مدينته.
المشكلة ليست في شجرة بعينها، وإنما في الطريقة التي ننظر بها إلى الأشجار داخل مشروعات التطوير.
فإذا كان الحل الأول عند إعادة تخطيط شارع هو إزالة الأشجار، يصبح من المشروع أن نسأل: هل جاء التصميم أولًا ثم جرى التعامل مع الأشجار باعتبارها عائقًا؟ أم أن الحفاظ عليها كان جزءًا من فلسفة التصميم منذ البداية؟
في المدن التي تحترم بيئتها، الشجرة ليست عنصرًا تجميليًا زائدًا يمكن الاستغناء عنه عند الحاجة.
هي جزء من المشهد العمراني، ومكون من مكونات جودة الحياة، وأصل بيئي تكون عبر سنوات طويلة.
ولهذا فإن التعامل مع شجرة معمرة بمنطق «نزرع غيرها» يتجاهل ببساطة فارق الزمن.
من المهم أن تكون هناك خطط للتشجير والتعويض، لكن التعويض الحقيقي لا يعني مجرد استبدال عدد من الأشجار بعدد مماثل من الشتلات.
شجرة نمت لعشرات السنين ليست شتلة يمكن وضعها في المكان نفسه والقول إن المشكلة انتهت.
الشجرة القديمة لها ظلها، وحجمها، وقدرتها البيئية، وحضورها في ذاكرة المكان.
لذلك فإن زراعة أشجار جديدة خطوة مطلوبة، لكنها لا ينبغي أن تصبح مبررًا تلقائيًا لإزالة الأشجار القائمة.
الأصل هو الحفاظ على الموجود، والتعويض يكون عندما يتعذر الحفاظ عليه، لا أن يصبح التعويض بوابة للإزالة.

نحن نريد القاهرة أكثر كفاءة، نعم.
نريد طرقًا أفضل، وحركة مرورية أكثر انسيابية، وبنية أساسية تواكب احتياجات ملايين المواطنين.
لكننا نريد أيضًا مدينة يمكن السير في شوارعها دون أن يتحول الرصيف إلى مساحة إسفلتية مكشوفة للشمس، ومدينة تمتلك قدرًا معقولًا من الظل والمساحات الخضراء في مواجهة الحرارة والتلوث والتمدد العمراني.
فالمدينة الحديثة لا تُقاس فقط بعدد المحاور والكباري والحارات المرورية.
الحداثة الحقيقية تقاس أيضًا بقدرتها على تحقيق التوازن بين الإنسان والطريق والبيئة.
إذا كانت إزالة بعض الأشجار ضرورة هندسية لا يمكن تجاوزها، فليُشرح ذلك للرأي العام.
إذا كانت هناك أشجار يمكن نقلها، فليُوضح ما إذا كانت عملية النقل ممكنة من الناحية الفنية.
وإذا كانت هناك بدائل تصميمية، فمن حق الناس أن تعرف لماذا لم تُعتمد.
أما إذا كانت هناك خطة لتعويض ما تمت إزالته، فالأفضل أن تكون واضحة: كم شجرة ستُزرع؟ أين؟ ومتى؟ وما المعايير التي ستضمن استمرارها ونموها؟
هذه ليست محاولة لتعطيل مشروع.
بل على العكس، الشفافية تجعل مشروعات التطوير أكثر قبولًا، لأنها تحول المواطن من متفرج على التغيير إلى شريك يفهم أسبابه وتكلفته.
ليس صحيحًا أن الاختيار دائمًا بين طريق أفضل وشجرة قائمة.
هذه ثنائية مريحة، لكنها ليست بالضرورة صحيحة.
السؤال الأكثر أهمية هو: كيف نطور الطريق بأعلى كفاءة ممكنة، مع تقليل الخسائر البيئية إلى الحد الأدنى؟
هنا يظهر الفرق بين التطوير الذي يكتفي بتنفيذ الرسومات الهندسية، والتطوير الذي يفكر في المدينة بعد اكتمال المشروع.
فيمكن تعديل التصميم، ويمكن تغيير مسار، ويمكن إعادة توزيع مساحة، ويمكن البحث عن حلول هندسية جديدة.
أما الشجرة المعمرة، فإذا سقطت، فلا يوجد تصميم لاحق يستطيع إعادتها إلى عمرها الذي كان.
وهذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط ضجيج الإنجاز.
القاهرة تحتاج أن تتقدم.. دون أن تفقد نفسها
القاهرة لا تحتاج إلى أن تختار بين المستقبل والماضي.
هي تحتاج إلى أن تأخذ من المستقبل أدواته، ومن الماضي ذاكرته، وأن تبني بينهما مدينة أكثر كفاءة وأكثر إنسانية.
فالتطوير ليس مجرد إزالة القديم وإحلال الجديد.
التطوير الحقيقي هو أن تعرف ما الذي يجب تغييره، وما الذي يستحق أن يبقى.
نحن لا نريد مدينة متحفًا تتوقف عند الماضي، كما أننا لا نريد مدينة بلا ذاكرة، تتحول فيها كل مساحة خضراء إلى فرصة جديدة للرصيف أو الطريق أو الأسفلت.
القاهرة تتطور.. وهذا أمر لا خلاف عليه.
لكن السؤال الذي يستحق أن يبقى حاضرًا في كل مشروع جديد هو:
هل نبني القاهرة الحديثة، أم نبنيها على حساب الأشياء التي جعلت القاهرة تستحق أن تُحب؟
فليس كل ما يسقط تحت المنشار مجرد تكلفة من تكاليف التطوير.
بعض الأشياء لا تُدرج في بنود الميزانية، ولا يمكن تعويضها بأرقام على الورق.
طوّروا القاهرة كما تشاؤون.. لكن لا تجعلوا الأشجار دائمًا هي من يدفع الفاتورة.

مساحة إعلانية