مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

مجنون الكرنك قصة للأديب الدكتور محمد إبراهيم طه

2026-04-01 12:48 PM  - 
مجنون الكرنك قصة للأديب الدكتور محمد إبراهيم طه
محمد إبراهيم طه

إلى هشام الفخراني
كان وحده في جوف المعبد، هذا ما هو متأكد منه، وفي نفس التوقيت المدون على الفيديو. وحده والناي، بجلباب أبيض طويل، ونظارة سوداء وبرنيطة خوص، فمن أين أتت البيضاء الرشيقة التي وضعت ظهرها في ظهره وغنت؟ 
لأكثر من مرة يتحقق من الفيديو الذي رفعه على "يوتيوب" في نفس اليوم مخرج فرنسي اسمه إيمانويل باتريك، فيجد نفسه بكل وضوح في بهو الكرنك يعزف على ناي، لكنه ليس وحده، ولا يعرف كيف ولا متى أتت الحسناء، وكلما يشحذ ذاكرته حد الجنون، لا يتمكن من تحديد موضع الكاميرا التي التقطت الكادر بهذا القرب فأتت بهما هكذا ظهرا لظهر، خلفهما نقوش واضحة على جدار، ثم ابتعدت شيئا فشيئا حتى ظهرت تيجان الأعمدة، ثم البهو المفتوح على السماء، ثم دارت بأناة  كطائر دورة كاملة قبل أن تعود إلى وضعها الأول، حيث كانا كتمثالين ملتصقي الظهر؛ هو بجلباب أبيض، وبرنيطة خوص ونظارة سوداء وهي بوشاح فوشيا، والشمس ساقطة على جسديهما، وفيما الكاميرا عالية الدقة تأخذ ببطء لقطتها الدائرية، بدا الكرنك كأنما بواجهته وجدرانه وأعمدته وبهوه هو الذي يدور، قبل أن تستقر في المنتصف أعلاهما لسبع ثوان فلا يبين منهما سوى برنيطة خوص عريضة الحواف على رداء أبيض وناي يمتد للأمام من أسفلها، خلفها بالتمام شعر منسدل على كتفين مكشوفين إلا من حمالات سمراء ووشاح فوشيا حول عنق أبيض، كلاهما يحدق في شيء بعيد عند حافة الأفق، بنظرة غير محدودة، فيما يمتزج صوت الناي من مقام نهاوند بشدو أنثوي وترانيم غامضة لا تحيل إلى لغة محددة بقدر ما تحيل إلى مناجاة وتأمل.
مع كل مشاهدة للفيديو يقنع نفسه بأن الأمر لم يكن مرتبا له بكل تأكيد، وأن السأم فقط من ضغوط الحياة اليومية هو ما جعله يشعر فجأة أنه سيختنق ما لم يغادر على وجه السرعة، فلبس جلبابا لم يرتده سوى مرة واحدة في صلاة جمعة أو عيد، وهرع إلى الشارع موسعا الخطى، وممسكا بجانبه لرفعه عن الأرض كي لا يتعثر فيه، وعند المحطة، قذف بنفسه داخل عربة خالية من الركاب في قطار يغادر المدينة، وأسند رأسه إلى شباك العربة ذات المقاعد الخالية وأمسك  نايا لم يلمسه منذ سنوات.
 الفيديو مدته دقيقتان وواحد وعشرون ثانية، مأخوذ على ما يبدو بكاميرا واحدة وهو ما يتطلب معدات لتحريك الكاميرا ممثلة في قضبان بطول ثلاثين مترا على الأقل يسير عليها تروللي الكاميرا للخلف ثم للأمام، ورافعة  تدور ذراعها في حلقة محيطها ثلاثون مترا، وثلاثة إلى خمسة مساعدين على الأقل منهم فني صوت، لكن شيئا من هذا لم يكن موجودا في الوقت الذي كان فيه في المعبد، وهو ما كان متأكدا منه، البهو والناي وشمس ساطعة وهو ونظارة سوداء وجلباب أبيض لم يكن في حاجة إلى تقصير كما ظل يعتقد.
في الفيديو كان الرجل بالرداء الأبيض الطويل والحسناء التي تطوق عنقها بوشاح فوشيا كشجرتين نبتتا في البهو، يشدوان من مقام واحد بشدو كأنه قادم من الجهات الأربع؛ هو بالناي، وهي بكفيها المكورتين كبوق حول فمها المفتوح على آخره وصوتها الذي يشدو بآهات ملتاعة آتية من نهاية الحلق، تلمع على بشرتيهما حبات العرق كأنهما عاشقين متناغمين ومتآلفين في مشهد بلغ ذروته مع عودة الكاميرا إليهما من أمام كما بدأت، وبالرغم من أن الرجل ذا الرداء الأبيض كان سعيدا بما فعله، لأنه حقق أخيرا ما ظل يحلم به كعازف ناي إلا أنه ظل مؤمنا بألا أحد غيره  سوى الله سيعرف ما يقوله الناي من مقام نهاوند، حتى كتبت ريبيكا الألمانية ذات الجمال الفاتن والبشرة البيضاء التي لفحتها الشمس في تعليق: "بالرغم من أنني كنت هناك وحدي، وصوتي في حقيقته ليس بهذا الوضوح، إلا أنني متأكدة أن الناي المصاحب يتلو نصوصا مقدسة" فبدأ يعتقد أنهما أصبحا اثنين حتى شاهد للمرة الألف مشهد الذروة والكاميرا التي لم يستطع تحديد موقعها تعود إليهما من أمام، وكتب "مجنون الكرنك" أنه بينما كان وحده في أكبر وأقدم وأعظم دار عبادة في العالم وسط آلاته ومساعديه يحاولون إبراز أثر أربعة آلاف عام على الحجر في فيلمه التسجيلي، ورغم تعمده أن يكون وحده بين الحجر والزمن، إلا أنه فوجئ بالرجل ذي الرداء الأبيض والناي والمرأة ذات الوشاح الفوشيا، واللذين ظنهما في البداية عاشقين حتى استمع إليهما، فتأكد له بما لا يدع مجالا للشك أنهما كانا يترنمان بتسع جمل موسيقية مقدسة.
لم يترك "مجنون الكرنك" في اللقطة الأخيرة بالغة الدلالة التي اقترب فيها من وجهيهما جدا، مجالا للشك ولو واحد بالمائة أن الرجل بالرداء والناي والذي ظل محتفظا بالسر هو ذلك الجالس في حجرته يشاهد الفيديو للمرة الألف بعد أن زالت عزلته وخفت وطأة السأم من ضغوط الحياة اليومية، وأن الحسناء بالوشاح حول العنق هي ريبيكا التي علقت بأنها عرفت السر، وأن فيديو من دقيقتين وواحد وعشرين ثانية حظي بأربعة الاف مشاهدة، وواحد وسبعين مشاركة، وثلاثة وخمسين ألف إعجاب جعل الرجل بالرداء الأبيض والناي يفكر جديا في تغيير هويته خوفا من الملاحقة بعد أن أيقن أخيرا بأنهم مرشحون للزيادة أولئك الذين سيعرفون أن ما قيل من مقام نهاوند لم يكن سوى " تلاوة على الناي لتسع جمل موسيقية من سورة الكهف".
القصة من مجموعة الأميرة والرجل من العامة دار النسيم 2019

مساحة إعلانية