مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

لماذا أنا أكتب؟ للشاعر الكبير الراحل أشرف البولاقي

2026-04-27 02:39 AM  - 
لماذا أنا أكتب؟ للشاعر الكبير الراحل أشرف البولاقي
أشرف البولاقي

(1)
سؤال لماذا تكتب، واحدٌ من الأسئلة الكلاسيكية التي تحولت الإجابة عنها بمرور الوقت إلى كثيرٍ من السخرية والتحفيل؛ بسبب سيادة نموذج إجابات نمطي لفترةٍ طويلة، نموذج مِن قبيل: 
أكتب بديلاً عن الانتحار 
أو بديلاً عن الجنون 
أو هروبًا من الواقع
أو أكتب كي لا أموت
قِلة قليلة جدًا أجابت أنها تكتب 
لكي تعبّر عن مشاعرها 
أو لأن الكتابة شيء جميل 
أو تكتب لأنها تتسلّى 
أو لأنها لا تجيد شيئًا آخر 
أو لأنها تريد أن تكسب شهرةً أو مالاً.

ولَعلها قِلة قليلة بسبب الاعتقاد أن إجاباتٍ كهذه لا تليق بصاحبها الذي هو "كاتب" مِن المفترض أن تكون إجاباته ثقافية، بلاغية، فلسفية.. مختلفة، ليس مهمًا أن تكون حقيقية ولا صادقة، المهم أن تكون دالةً على أن صاحِبها "كاتب ومثقف- أيوه أيوه :)".

ولقد كنت واحدًا مِن هؤلاء الذين يظنون أنهم يكتبون لأنهم لا يجيدون شيئًا آخر، ولعلّي كنت كذلك بالفعل، لكنني بمرور الوقت اكتشفت شيئًا كنت غافلاً عنه، شيئًا بدا بالنسبة لي عظيمًا جدًا، اكتشفت أن الكتابة التي كنت أمارسها لأنني لا أجيد شيئًا آخر تحولت إلى واحدةٍ من أهم الأدوات، إنْ لم تكن أهمّها على الإطلاق، في مقاومة أحزاني.
لكن هل الأمر بهذه البساطة؟
كيف يمكن أن يكون ذلك كذلك؟
(2)
رأيتُني، في الفترات الأخيرة، أتأملني لو أنني لا أمارس الكتابة- بغضّ النظر هنا عن قيمة ما أكتب وأهميتِه- ماذا أو كيف كنت أقضي وقتي أو أعيش حياتي!؟
فبعيدًا تمامًا عن أحزان المجتمع وقضاياه السياسية والثقافية والمجتمعية، هناك أحزاني الخاصة، هناك مشكلاتي مع أولادي وزوجتي، خلافاتي مع الأهل والأقارب والجيران، هناك جَزعي على أطفالي الصغار، هناك اكتشافاتي المباغتة لخيانات الصديقات والأصدقاء.
فماذا إذا أضفنا إلى كل ذلك الآن أحزانَ الحاجة والضغط الاقتصادي الذي أعاني منه كما يعاني مجتمعي كله؟!
ليكون السؤال: ماذا يصنع هؤلاء الذين لا يكتبون أمام طوفان هذه الأحزان؟

أقل خسارةٍ عندهم أنهم يفكرون في أحزانهم تلك ليلَ نهار، تشغل مساحاتٍ كبيرةً من تفكيرهم، ويخوضون تجاربَ قاسية وعنيفة مع محيطهم... وهذا لا يعني أنني وبعض الذين يمارسون الكتابة بعيدون عن ذلك، لكنه يعني أننا نجِد سلوى أو عزاء في الكتابة، لا سيما إذا كانت هذه الكتابة كتلك التي يمارسها واحدٌ مثلي (وأكرر: مثلي دون أن يعني هذا قيمةً... فقط الممارسة والانشغال)
إذ لا يمر يوم دون أن أكتب، ودون أن أقرأ، وهو ما لا يكلفني الآن إلا بعض التوتر والقلق الذي إذا قيس بنظيره في ظِل استسلامي للحزن والمشكلات، فهو توترٌ وقلَق أقل أذىً وضررًا. (منذ شهور كان يكلفني زياداتٍ في معدلات التدخين، لولا أنني أقلعت)
والكتابة إذا قيست بغيرها كَسبت، فهي هنا غير ممارسة الرياضة، غير السفر والانتقال، غير محاولة البحث عن عملٍ إضافي، فكل هذه الخيارات وغيرها فيها حركةٌ وانتقال، فضلاً عن أن لذة الكتابة لا تعادلها لذةٌ أخرى في تصوري.
كما أنها، مع فِعل القراءة، فيها من تدريب النفس، وتهذيب الروح، ما فيها، وهو الكلام الذي كنا نسخر منه قديمًا، لكن الأيام أثبتت أن ذلك صحيح تمامًا.
(3)
في الغالب، عندما تصير نجمًا مشهورًا في عالم الكتابة، شاعرًا، أو ساردًا، أو ناقدًا، أو حتى صحفيًا، ستفقد أنت لذةَ الكتابة، وستفقد الكتابةُ نفسُها قدرتَها على أن تكون تعبيرًا حقيقيًا عنك.
ويمكنك كقارئ خبير أن تلحظ ذلك بسهولةٍ عند هؤلاء الذين تَحققوا بالفعل وأصبحوا نجومًا، عندما ينصحونك مثلاً ألا تكتب كثيرًا، ألا تكون سهلاً ومتاحًا، أن تكتب في أوقاتٍ بعينها، أن تختار مواضيع بذاتها، أو أن تكتب بالعامية بدلاً من الفصحى، أو بالفصحى بدلاً من العامية... إلخ. 
أو عندما يطلبون منك أن تختار صورة بعينها للنشر.. إلى آخر تلك النصائح الفاسدة التي تكشف عن براجماتية تليق بثقافة السوق والبضاعة ولا تليق بقيمة الكتابة نفسِها.
دون أن تنكر أن معظمَ هؤلاء الناصحين يمتلكون قدراتٍ فنيةً ومهاراتٍ إبداعية، لكنهم في الغالب لا يمتلكون صدقًا ولا إخلاصًا (هذا بالطبع مِن وجهة نظري) لكنهم يمتلِكون مساحاتٍ كبيرة من "الفهلوة" تمنحهم الشهرةَ والتحقق، لكنّ رصدًا بسيطًا لممارساتهم الحياتية ومواقفهم وسلوكياتهم التي مِن المفترَض أن تتسق وتتفق مع ثقافتهم ووعيهم، وخبراتهم الكتابية، وشهرتهم ونجوميتهم، يكشف لك عن حجم المأساة التي يعيشونها ونعيشها نحن معهم!

فإذا فهمتَ حجم المأساة التي يعيشونها، ستتساءل عن المأساة التي نعيشها نحن، وعن علاقتنا بها أو بهم.. سأقول لك إنها ربما كانت أكبر؛ ليس فقط لأننا نرصد ونتأمل، ولكن أيضًا لأننا في أنظارهم هواة ومَحط سخرية، نبحث عن الصدق والقيمة والكلام الفاضي، بينما الكتابة الحقيقية عندهم معناها المجد والشهرة، والمال والنفوذ والعلاقات، وبخاصةٍ عندما يسألونك مبتسمين أو شامتين: 
-"انت عملت إيه في حياتك؟!"
هناك إجابات كثيرة يمكنك أن تجيبها، بدءًا من الكلمة القبيحة الاحتجاجية الاعتراضية إياها، مرورًا بإخراج الصوت إياه من المكان إياه، لكنك لأنك مهذب ربما ستكتفي بردٍ يشبه ردّي، وهو أن تقول لهم إنك فخورٌ فقط لأنك لم تفعل ما فعلوه!
(4)
لن يكتفي نجوم الكتابة بنصائحهم الثقيلة السمجة، تلك التي بيّنت لك أمثلةً لها في الفقرة السابقة، لكنهم ومع استثمار نجوميتهم تلك في الشو والدعاية واللايكات، وصناعة الصخب والضجيج الذي يرونه مجدًا مرتبطًا بالكتابة، يمكن أن يورّطوك في أغرب ما يمكن أن يخطر على بالك!
ولكي تفهم الأمر جيدًا سأضرب بك مثلاً، لنفترِض أنك كتبتَ منشورًا ما واختلفَ معك نفرٌ فَسَبّوك أو شتموك، وعرّضوا بأمّك، ما الذي تفعله عادةً أمام تعليقات كهذه؟

أنا شخصيًا أشعر بالحرج والضيق فأقوم بحذف التعليقات المسيئة لي، وأقوم بحذف أصحاب التعليقات أو حظرِهم- وأظنك تصنع مثلي- معتبِرًا أن ما صنعوه على منشوري عيبٌ لا يجوز ولا أقبله في حقي أبدًا...
(هل في هذا شك أو حتى خلاف؟!)
نعم ... هناك شكوك، وليس شكًا واحدًا 
هناك خلافات، وليس خلافًا واحدًا
أنت بما تصنع من حذف وحظر تبقى عبيط سعادتك عند نجوم الكتابة هؤلاء.
أيوه سعادتك.. أمّال إيه!
يا عبيط.. يا أهبل سيب الشتايم، وسيب عِرض أمّك... 
التعليقات والشتايم دي هي اللي هتعمل منك نجم وأديب، ومثقف كبير مشهور 
وكل ما الشتايم زادت، وكل ما قلة الأدب زادت... كل ما ده دلّ على إنك مشهور ومطلوب.. وكده يعني.
عارف حضرتك لحظة الحزن تلك التي تنتابك وأنت تتأمل شتيمةَ أحدِهم لك؟ 
عارف حجم الألم الذي تعانيه وأنت تتساءل: ليه كده؟
اللحظة دي غير موجودة بالمرة عند نجوم الكتابة هؤلاء
موجود بدلاً منها تلك الابتسامة الكالحة الصفراء
هم سعداء بما يتلقون من إهانات!

مساحة إعلانية