مساحة إعلانية
أدركتُ اليسار في مرحلة الأفول، كمن ذهب إلى الحجِّ والحجاج عائدون، صدمني تفكك الاتحاد السوفيتي، وفاجأتني هزيمة المعسكر الاشتراكي في مواجهة الرأسمالي، وفي غضون خمس سنوات حل التنظيم نفسه، فتبخر الحماس الذي بثه الرفيق شيكو في سنوات التجنيد الأولى، ولم تعد بي رغبة في ابتلاع أفكار تنهزم أمامي على أرض الواقع، ثم أتت بعثة الدكتوراة، فرأيتُ الروس في سان بطرسبرج يهرولون إلى نمط الحياة الغربية نافضين عنهم بكل بساطة إرثا امتد لسبعة عقود، فقلت لنفسي: هل أكون ملكيا أكثر من الملك؟ ونفضتُ يدي من السياسة، وانكفأتُ على محاضراتي وشئوني الشخصية.
مع المد الديني، اتسعت الهوة بين الماركسية والإسلام، ومع ذلك تقدم الرفيق وتقهقرتُ للخلف، أربكتني جماعات متغلغلة في الجامعة، ولحى تنبت وحجاب ينتشر، وبنات تنفصل عن بنين، ومحجبات عن سافرات وانتشار الزي الباكستاني، ورفع الأذان في ساحات الجامعة، ومغادرة المدرجات للصلاة جماعة، وامتلاء الطرقات والجدران بالشعارات الدينية والآيات القرآنية والأذكار، وإقامة المعارض الصغيرة للكتب الدينية وخطب الشيخ كشك التي تشن هجوما كاسحا على كل ما هو وضعي وبشري وناقص ومخطئ في مقابل السماوي والغيبي، بينما ظل الرفيق ثابتا لا يزعزعه هجوم على الاشتراكية، ويرى الصورة محض صفقة خبيثة، أفرج بموجبها السادات عن الإخوان المسلمين وفتح لهم الجامعات والنقابات ودور العبادة مقابل أن يشنوا هجوما كاسحا على يسار معارض يقف مع الإلحاد والإباحية في دولة مسلمة يرأسها رئيس مسلم.
سقطت الاشتراكية، فراودتني شكوك أن السقوط لأخطاء في النظرية، لكن الرفيق الذي كانت شعاراته مع الفقراء والفقراء ليسوا معه ظل يعزوها إلى أخطاء التطبيق، فالأفكار الكبرى والعظيمة لا تنهزم بهذا الشكل الوضيع، وظل على صموده لكنني تقهقرت، وترسخ لديَّ يقين ألا أؤمن بفكرة في آخر النهار، فلم أعد مؤمنا باليسار ولا بأي أيديولوجيا، وتحولت علاقتي بالرفيق شيكو إلى صداقة بين عائدٍ محبطٍ من منتصف الطريق، ورفيقٍ حالمٍ يرى هزيمة الاشتراكية مجرد جولة، ويؤمن بأنها ستجدد نفسها وتتحقق ولو بعد حين.
*لا تؤمن بفكرة جديدة آخر النهار.. من رواية ستوديو الحجاز للروائي محمد إبراهيم طه دار النسيم
