مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

كنتُ أحبُّكَ والآن لم أعدْ "كتاب داليا المفتوح" للروائي د. محمد إبراهيم طه

2026-04-27 04:00 AM  - 
كنتُ أحبُّكَ والآن لم أعدْ "كتاب داليا المفتوح" للروائي د. محمد إبراهيم طه
الروائي الدكتور محمد إبراهيم طه

في الخامسة والثلاثين، دخلتُ مع داليا في علاقة كاملة، قبلَها كنتُ بتولا، وخمسة عشر عاما أحاول تصحيح العلاقة، عرضتُ عليها الانفصال عن جابر وإعلان زواجنا رسميا، فقالت: لم الإصرار على هدم حياة من أجل حياة أخرى؟ قلتُ: ولم الجمع بين حياتين؟ فقالت: ألا تثق بي؟ هي حياة واحدة، قلت: أطلب ذلك لأني أثق في حبك، فقالت: الحب في جوهره واحد وإن بدا في الحقيقة حياتين، قلتُ: يؤرقني هذا الوضع، فقالت: علاقتنا هي الجوهر، وجابر واجهة، وسألتني إن كنت قد  نسيتُ أنها التي طلبتني للزواج وأنا الذي خذلتها، فقبلتْ بجابر؟ كانتْ على حق، وظللت تحت وطأة تأنيب الضمير، أعيدُ الرغبة في توفيق العلاقة، فأصطدم برفضها، أخذتُ رأي الهُنّ، فقال: “رأيها صحيح”، قلت متحفزا: “وأنا اللي بلخبط؟” قال: “لو تم ما في رأسك، لن تكون هناك حياة”، لم أستوعب كلام الهن، وأصررت على رأيي، وقررت الاعتذار عن لقائنا المعتاد، قالتْ: لمَ؟ قلتُ: “ظرف طارئ”، واتصلتُ بالهن وقلتُ: أريد البتول! فعاملني كأنني أهذي، وقال: ألا تعلم أن البتول مع زوجِها في الكويت ولديها منه طفلين؟ قلت: يا هن أريد واحدة الخالق الناطق البتول، فتنهد وقال: طيب .. 40 دقيقة وتعالى، وذهبتُ إليه، فوجدتُ نسخةٌ طبق الأصل من البتول، لكن اللقاء فشل وغادرتُ مكتبه، فنظر إلى ساعته وقال متعجبا: إيه اللي حصل؟ فتركت له النقود وغادرت، وظللت في الشوارع ساعتين، ثم صعدت إلى الاستوديو مهدودا لأنام، فوجدت داليا بانتظاري، مبتهجة، كأجمل أيام لقاءاتنا الأولى، عانقتني وقالت: مالك؟ فبكيتُ، ضمتني أكثر، وظلت تربت جسدي، حتى هممتُ بها، وانتهى اللقاء كأجمل ما يكون، وبعد أن استعدتُ طبيعتي، بدأتْ في العتاب: مع من كنت تخونني؟ شعرت بالذهول، وقلتُ: أي خيانة؟ فقالت إنها تعرف أنني كنت أخونها، وتعرف محاولاتي الطفولية في الهروب، ولن تأخذ مني موقفا لأنها تحبني، فبكيتُ بضعف، وعزوتُ أحوالي المرتبكة إلى الشعور بأنني مقطوع من شجرة، والعمر يجري، وأنا في الثانية والأربعين بلا أي إنجاز، والنطفة التي أصبحت “مروان” لا أراها، ولا أشعر تجاهها بمشاعر أبوة، فربتت كتفي وقالت إنها تعد لي مفاجأة ستفرحني، وطلبت بعد شهرين أن أغمض عيني، ولا أفتحها إلا حين تطلب مني، وحين فتحتُ عيني، رأيت خطابا من المعمل، باسمها، اختبار حمل إيجابي، وقالت: هل تأكدت الآن أني أحبك؟ 
بقدر ما صدمني الخبر، وتجنبها لجابر على مدار شهرين، رأيتُ أن الحمل قد يكون سببا لتوفيق الأوضاع، لكن الأمور سارت كما هي، تنتابني رغبة بين الحين والآخر في تصحيح مسار العلاقة وإظهارها للعلن، لكنها ظلت مطمئنة إلى هذه الصيغة، لا ينتابها أي إحساس بتأنيب ضمير، ولا شعور بالخيانة، سألتُها وهي فوقي ألم يشك جابر في شيء وقد اعتزلته شهرين، فقالت: جابر لا يشكو من شيء، والنساء في مكتبه دائما، وقد تزوجني فقط حين أراد أن ينجب، انتهزتُ الفرصة وطلبت توفيق الوضع، فقالت: "أولستُ زوجتك؟ ألستُ أحبك؟ ألستُ أم ابنتك؟" قلتُ: “بلى”  قالت: إذن فيم القلق؟ قلتُ: من إخفاء ذلك، قالت: نحنُ لا نخفي ولا نعلنْ، والمعيار في نجاح العلاقة، فعلاقتك ب"إيمي" كانت معلنة وفشلتْ، وعلاقتنا سرية وناجحة، قلت: لكنها ليست في النور، قالت لا أهمية لذلك مادام أحدنا يشعر بحاجة للآخر فيجده أمامه قبل أن يفكر، قلتُ: تضيرني السرية، فقالت: ويضيرني الإعلان، فأنا التي أجيء إليك، وأنا التي أنجبت منك كي تطمئن، وأنا التي سأتحمل العواقب لو أُعلنتْ، فضممتها إلى حضني وقلت: "يسألونني بشكل مباشر: لم لا أتزوج؟ فأبعدت نفسها عن حضني وقالت: وبم ترد عليهم؟" قلت: "ترقرقت عيناي وأقول النصيب"، فتقول: "يا حبيبي قل لهم إنك مستريح كده وإنك لن تتزوج"  
انتابني صمتٌ، فقالت إنها ضحت كثيرا حتى تشَيِّد هذه العلاقة وتحافظ عليها، وسألتني: ألست زوجتك؟ ألم أنجب لك طفلة، وعلقتُ صورها في الاستوديو، في مراحل نموها المختلفة من عام حتى خمسة أعوام، كانت صور نور تعيد لي بعض الاستقرار، وتُخمدُ مؤقتا الأسئلة والهواجس وهي تبزغ كحقيقة في قلب الواقع، توقفتُ تماما عن محاولات الزواج، فهي ابنتنا معا، من علاقة طبيعية بين رجل وامرأة، تأتي بها داليا إلى الاستوديو حتى بلغت الخامسة، وتصحبها في مقابلاتنا خارج الاستوديو، وعوَّدَتْها أن تناديني "بابا عمو"، لقب كأنه اسم حركي، يسعدني ويشجيني في آن، فأنتقي لها الهدايا، والملابس على ذوقي، وفي عامنا الرابع عشر، لاحظت أنها ما زالت تشعر بالغيرة من شجون، وعاودني شعور بأنني مشتتٌ والطريق الذي هربت منه، أجبرت على السير فيه، لم أقبل بالعمل السري في بداية شبابي، وقبلت بعلاقة سرية 15 سنة، وبينما كنت ألهث خلف عالم بكر وعذب وعذري، اكتشفت أنني أغوص في وحل ممزقا بين "نطفة" لا يذكرني سوى في مواسم الاحتياج، مصاريف الدراسة، حتى شراء سيارة يضعها ضمن طلباته، وبين فتاة صغيرة من صلبي تعيش مع أم حقيقية وأب مستعار، أشعر نحوها بكل مشاعر الأبوة العاصفة، حتى بعد أن تصدعت العلاقة بيننا ظللت أشتري الهدايا التي تناسب جسمها بلا نقص ولا زيادة، على أمل أن يأتي اليوم وتعود المياه إلى مجاريها، لكن الهدايا تكدست وتكاثرت، وعرفني الباعة من الصمت والتردد الذي ينتابني أثناء عملية الاختيار بين المقاسات والألوان، يسألونني: "فين عروستنا تختار؟" فتترقرق الدموع وأنا أقول محاولا التماسك: "معلش.. مسافرة مع مامتها" وما إن أصل إلى نهاية الجملة، أجهش بالبكاء.
تباعدت اللقاءاتُ مع داليا، حلتْ محلها المكالمات، ثم تحولت المكالمات الطويلة إلى مكالمات مبتورة، تبدأ بالعتاب وتنتهي بأن يضع كلانا السماعة في صمت، حتى انقطعت، في الذكرى الرابعة عشرة، هاتفتُها فأتتْ، لم يفلح النُّخْبُ الأخير في تصفية الجو، كانت متوترة وفكَّرَتْ أن تغادر في منتصف الليل، فضممتها في حضني حتى الصباح، تظاهرنا بالنوم، لكن كلانا لم ينم، كانت تتقلب من ذراع إلى ذراع، وصوت تنفسها متوتر وحزين حتى غفتْ في الخامسة، فسحبتُ ذراعي في السادسة والنصف من تحت عنقها بهدوء وقمت لأقف خلف الزجاج، فنهضت وأحاطت بساعديها عنقي على غير العادة وقالت بحزن شكرا لأنك لم تدعني أغادر ليلا، قلت ولن تغادري إلا في الرابعة بعد الظهر، سننام قليلا ثم نخرج، نحن في حاجة إلى تغيير الجو، لكن الرفيق وشجون مرا في هذه اللحظة، واسترعى انتباهَها تحديقي في شارع الحجاز، وحين رأتهما، قالت: من الأفضل أن أغادر الآن، والتفتت نحوي في حدة وسألتني: "لم يتركان نادي الشمس ويتمشيان في هذا الشارع؟" قلت ربما لأن بهذا الشارع كلاب، وربما تضع لها الطعام، فقالت بغضب:
ـ شُفت .. الكلاب بس هي اللي بتنتظر شجون؟
آلمتني الملاحظة، وشعرتُ بأنني ابتلعت الطعم، كان يمكن التظاهر بأنني لا أعرف عمن تتحدث، لكن من المؤكد أنها رأت نظرة افتتان في عيني، فأنا كتابها المفتوح، عاتبتها على الملاحظة، وطلبتُ منها أن تبوح بما تخفي، فقالت إنها حين أحبتني لم تكن تعلم سوى أنها تحب، هذا كل ما في الأمر، والآن تغيرت، لماذا أنظر إليها نظرة متدنية؟ ليست عاهرة ولا مومس ولا أحبت أحدا مثلما أحبتني، حتى جابر الذي له عليها حقوق، وضعتني في منزلة أكبر منه بكثير، وكانت مستغنية بي عن كل رجال الأرض، فلم  أنظر إليها نظرة تقلل من قيمتها؟ سألتها إن كنت وجهت إليها كلمة أو جملة بهذا المعنى، فقالت: وهل أنتظر حتى تقول الكلمة ذاتها؟ .. يكفي أنك ما زلت معجبا بشجون، وقبل أن تندفع نحو الباب وتغادر، قالت:
ـ كنت أحبك والآن لم أعد!

من رواية ستوديو الحجاز رواية دار النسيم للروائي الدكتور محمد إبراهيم طه

مساحة إعلانية