مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصة قصيرة : وصار الوجع مسكنا.. بقلم إيمان العطيفي

2026-04-16 12:03 AM  - 
قصة قصيرة : وصار الوجع مسكنا.. بقلم  إيمان العطيفي
إيمان العطيفي

يقولون : ان الزمن يشفى كل الجروح، مرت أعواما  وهى حبيسة ذاك القبو ،لماذا ترغب فى الخروح،وهل ستحتمل التغييرات التى حدثت ؟ مختلفة ،جميلة، رقيقة القلب ،ولكن المختلفة تفسد كل شىء، هذه نظرة البشرية التى لم تغيرها الأيام.

للبيت بابان ، بابٌ يفضي إلى الشارع الرئيسى، وآخر يطلُّ على النهر, منذُ بداية مرضها ، أُغلق البابُ الأول. 

لم يعد يطرقهُ سوى أمّها، والجار الطيّب كلّ جمعةٍ حاملاً كيس فاكهة، يدخل صامتاً ويخرج صامتاً.

تجلسُ في الركن المقابل للنافذة. لا تتكلّم. تفركُ كفّها اليمنى بإبهام اليسرى حتى يحمرّ الجلدُ ويلتهب. تدهنها أمّها بالمرهم كلّ ليلةٍ وهي تبكي.

كانت تسمعُ ضحكاتِ صغارها من بيتِ جدّتهم في آخر الشارع. يتشاجرون وينادون أباهم الذي رحل منذ عام.

قال لها قبل رحيله: "تزوّجتُ امرأةً... لا تمثالاً". 

استقرّت الكلمةُ تحت جلدها. كلّما لمست كفّها الملتهبة، استيقظ الوجع ،

 خذلها جسدها، داهمها التوحّدُ . بدأت بالشرود، ثم بالصمت، ثم صارت تهابُ اللمس. حتى صغارها إذا احتضنوها صرخت. فأخذوهم منها "إلى أن تُشفى.

الشيخ سيد  أرملٌ طيّبُ القلب، لكنّ لسانهُ من زمنٍ آخر. 

كلّ جمعةٍ يضعُ الفاكهة ويقول: " اشددي عزيمتكِ يا ابنتي. البيتُ بلا امرأةٍ خراب". 

أراد مواساتها , لكنّ الكلمةَ هوت على صدرها كنصلٍ بارد. من كثرة تكرار الجملة ايقنت انها الخراب ذاته. ذات ليلةٍ سمعته يهمسُ لأمّها عند الباب:

"خذوها إلى طبيبٍ . إن ماتت، ماذا نقول؟" 

كانت نور مستيقظة. ومنذ ذلك اليوم أمسكت عن الطعام لعلها تخفف حمل ثقل على كتف امها والشيخ. أدمنت النظر إلى  النهر من نافذة قديمة شققها المطر وغطاها غبار الريح. النهرُ وحده لم يسألها: "ما بكِ؟". 

كانت تحصي الموج , كلّ موجةٍ ثانية, في اليوم أربعٌ وثمانون ألفاً وأربعُمئة موجة, حفظتها. 

كانت تفكّر: "إن ألقيتُ بنفسي، كم موجةً ستمرُّ فوقي قبل أن أبلغ القاع؟" 

الفكرةُ كانت تريحها. لم تكن تطلبُ الموت، بل سكوتَ الوجع.

في عزّ الشتاء، استيقظت فجراً. الظلامُ دامس. ارتدت شالها القديم ومضت حافية. 

لحقتها أمّها عند العتبة: "إلى أين يا نور؟" 

أشارت نورُ إلى النهر. نطقت أول كلمةٍ منذ سنوات لم تحص عددها: "أشعرُ بالبرد". 

فهمت الأمّ أنّ البرد ليس في جسدها.

تعرفُ القريةُ كلّها الحكاية: من ألمّ به داءٌ عضال، فليغتسل في النهر فجرَ أربعاءِ أيوب، يأتِه الشفاء. 

لم تكن أمّ نور مؤمنةً بذلك، لكنّها كانت غريقة تتعلق بقشة. 

قالت للشيخ الذى استجارت به مخافة خوض التجربة وحيدة، دعها تجرّب. لن نخسر أكثر ممّا خسرنا".

سألها الشيخ: : يا ابنتي، لو نزلتِ ولم تخرجي؟ 

رمقتهُ بعينين خاويتين: أكون قد استرحتُ. واسترحتم.

شطرته الكلمةُ نصفين. أفسح لها الطريق ووجهه في الأرض.

نزلت إلى الماء . إقشعر جسدُها، لكنّ قلبها لم يشعر بالبرودة. 

أغمضت عينيها وهمست: "يا ربّ أيوب... لا أسألكَ أن أنهض وأمشي , أسألكَ أن أفهم: لماذا أنا؟" 

انتظرت الملائكة, انتظرت النور, انتظرت أن يبرأ جسدُها , لم يحدث شيء, لكنّها سمعت صوتاً. 

صوتَ صغيرها من بعيد يصيح: "أمّي" , كان يركضُ نحو الضفة ممسكاً بثوب جدّته ,في تلك اللحظة، أدركت. 

الشفاءُ لن يأتي ليخطفها من الوجع , هي التي يجب أن تمدّ يدها إليه.

فتحت عينيها في الماء , خاطبت النهر، خاطبت نفسها: 

"أيّها الوجع... سكنتني دون استئذان , أبغضتُك, حاربتُك, وكلّما حاربتُك عَظُمتَ, 

لقد تعبتُ من الحرب , إن كنتَ باقياً... فابقَ, لكن لا سجّاناً , بل ضيفاً , وسأتعلّمُ كيف أحيا وأنتَ في ركني."

غرفت الماء بكفّيها اللتين كانت تفركهما حتى تدميا , هذه المرّة مسحت به وجهها برفق. 

كان الماءُ ثلجاً، لكنّها للمرّة الأولى شعرت أنّه يغسلها حقاً , لا من المرض... بل من بغضها لذاتها.

خرجت من النهر جسدُها يرتجف , ركضت إليها أمّها بالشال تسألها بشغف : أشفاكِ اللهُ يا كبدي؟  إستنشق الهواء ناظرة إلى صغيرها المتشبّث بثوب جدّته يخشى الاقتراب: لا يا أمّي , لم أُشفَ. 

شهقت الأمّ .. اكملت كلماتها وهي تمدُّ يداً مرتجفةً إلى صغيرها: لكنّني كففتُ عن انتظار الشفاءِ لأحتضنه. 

اقترب الصغير خطوة , ثم أخرى, لمس أطراف أصابعها, لم تصرخ , بل دمعت, 

ضمّته, تصلّب جسدُها أوّلاً، ثم لان. 

ثم اردفت وهي في حضن صغيرها، تخاطبُ أمّها: سيبقى الوجعُ يا أمّي , لكنّني قد عدتُ. 

الشيخ واقفاً من بعيد , وللمرّة الأولى لم يقل: "اشددي عزيمتكِ" , بل قال: "حمداً للهِ على سلامتكِ يا سيّدة البيت".

لم تعد نورُ تتحدّثُ كما كانت, ولم تكفّ تماماً عن فركِ كفّها أحياناً, لكنّ البابَ الأول للبيت... فُتح من جديد. 

صارت تجلسُ على العتبة عصراً.. صغارُها حولها, تنطقُ كلمةً، وتصمتُ عشراً ,وهم يفهمون , وصارت كلّ فجرِ أربعاءِ  تنزلُ إلى النهر, لا لتطلبَ الشفاء ,بل

تنزلُ لتشكرَ الوجع , لأنّها حين كفّت عن كراهيته، علّمها كيف تكونُ أمّاً، وكيف تكونُ إنسانةً، من جديد, وكانت آخرُ موجةٍ أحصتها وهي تخرجُ من الماء تحملُ الرقم 2026416 , أولُ موجةٍ في عمرها الجديد.

 

مساحة إعلانية