مساحة إعلانية
أنا أمانة ،لا أسلم إلا ليد صابرة ،لا تستعجل .
من حفظ الدقة ،حفظ الحكاية ،ومن علم وتعلم لا يموت.
أنا لا أباع ولا أشترى ،أنا أسلم لمن صبر ستة أشهر ولم يفقد ايمانه.
أنا جوف وعاء ،ان دققت بعجلة ،صرت ضجيجا ،وإذا دققت بأناة ،صرت شفاء.
سري ليس فى السدر ولا الحناء وحدهما ،سري فى يد تدق ،ونفس طويل .
أنا لا أحفظ هذا السر وحده ،أنا أحفظ حكاية امرأة علمت بناتها ،فلم تمت.
فمن أرادت أن ترثني ،فلتسلم رأسها وقلبها ،ولتنقل عني ما تعلمت إلى دار أخرى، حتى لا ينقع صوتي ،ولا تموت الحكاية.
يقف فى ركن المطبخ العتيق ، ،جسمه ثقيل ،لونه داكن ،من كثرة ما لامسته الأيدي. لا أحد يذكر أول من اقتناه ، لكن كل امرأة فى الديار تعرف صوته.
حين توفيت أم أبنوب , سكن البيت ،انطفأت الفرن، رفع صاج النوى من فوق الكانون، وانقطع الدق.
البنات يفتحن خزانتها ،ينظرن الى ثيابها بحزن شديد ويصمتن , والبنون كلما ذكر اسمها رددوا: قدس الله روحها ،انصرفوا.
دموع الحزانى ليست عنوان الفقد ،فالدموع تجف بفعل الأزمنة ،وارث الملكوت لا يسعد قلوب الأحياء , ولا يخفف اعباء الحياة ،لهذا لقبوا بالحزانى .
مضى شهران والصمت القابع في الزوايا ،ينفث رائحة الغياب.
دخلت مريم المطبخ ،فتاة فى التاسعة عشر ،خريجة تمريض ،فشلت فى ايجاد علاج لما وصفوه الأطباء بالصلع الوراثي ،المرض الذى أجبرها على ارتداء اسكارف كلما نوت الخروج من المنزل .
تأملت الهون النحاسي. مدت يد مرتعشة ،لمسته،بارد ،ثقيل، يعف عليه التراب ،اصبح لونه أكثر اسودادا من زي قبل .
زاد المنظر من حزنها ،ضمته رغم ذلك وقالت : هون جدتي ولن أدعه يصدأ.
فتحت علبة فوق الرف ،بدأت العناكب مسابقة شديدة الحماس عليها،من الذى يغلفها بخيوطه أولا.
العلبة بها أوراق سدر جافة، حناء أسوانية ،أكليل الجبل ،ومسامير القرنفل.
كل شىء مرتب وكأن الجدة وضعته بالأمس القريب.
بدأت تدق..ارتعشت يدها فى الضربة الأولى , وفى الثانية غلبتها دمعة كسرت حواجز الاختباء ،تذكرت كلمات جدتها: بالراحة يا مريم ، السر فى النفس ,
وهنا انهارت كل السدود الدمعية ،واصبح للبكاء صوت يسمع .
دخلت أمها عليها. تحيط وجهها هالة غريبة ،وكأنها ادمنت وحدتها ،برغم جلوسها فى صحن الدار معظم الوقت ،نظرت الى مريم ،الشمس تعامدت على وجهها ،والهون بين يديها.
-ماذا تفعلين يا مريم؟
-أسلم رأسي ستة أشهر يا أمي ،كما قالت جدتي.
عندما فشل الطب والأطباء فى علاج الصلع الذى اصابها ،ترجتها جدتها ان تسلم لها رأسها ستة اشهر ،سوف تعالجها بأعشابها المدقوقة والحناء ،خلطة توارثتها الأجيال وكأنها درس من دروس الآحاد.
ثلاث معالق حنة أسوانى ،ملعقتين سدر مجفف ،ملعقتين اكليل الجبل وملعقة من القرنفل ،يتم طحن جميع المواد واضافتهم الى الحنه ،تعجن جيدا وتستخدم ماسك للشعر مرتين فى الشهر لمدة ستة أشهر .
النتيجة خرافية ،هكذا قالت الجدة .
لكن مريم وقتها رفضت ،هل يعقل بعد المحاولات الطبية والنقود المدفوعة ببذخ ،تركن جدران احلامها على هون الجدة !!؟
تغيرت مريم بعد نياحة جدتها ،قدس الله روحها ،الفراغ الذى احتل روحها. اقوى واعنف من فراغ مسامات فروة رأسها.
آمنت مريم بمعجزات الهون المتوارثة ،مرت الشهور سريعا ،تأملت مريم صورتها فى المرايا ،شعر أسود كثيف لامع.
استغنت مريم عن الاسكارف ،الذى سترها فى وقت ما ،وتسبب فى ايذائها النفسي فى أوقات كثيرة ،عندما يكشف الصليب عن مكانه ،فيتعجب أصدقاؤها من المفاجأة.
أصبحت حرة ،لن تحتمل عبء شرح الاسم المشترك بين عقيدتين مختلفتين تماما.
سألوها : ماذا فعلت ؟!
ضحكت واجابت: ورثت الهون.
ومن ذلك اليوم ،كلما رأى احد مريم مارة امامه ، تذكر الجدة ،وردد بإيمان صادق : قدس الله روحها .
لم يعد الهون حبيس دار ام أبنوب ،شاع خبر مريم وما فعل الهون برأسها. فطرقت الجارات الباب واحدة تلو أخرى .
هذه تشكو تساقط شعر ابنتها بعد المرض ،وتلك تشكو فراغا فى مقدمة الرأس لا يمتلىء .
مريم تستقبلهن بإبتسامة : الهون لا نملكه ،انما هو يملكنا ،فمن أرادت سره فلتسلم لي رأسها ستة أشهر.
وهكذا انتشر خبر الهون ،وانتقل بكل سهولة من دار لدار.
فى كل دار يبدأ صوت الدق مع الفجر ،فتملأ رائحة السدر والحناء الجو ،وتعيد إلى الأماكن روحها الأولى.
حتى بدأ سكان الحي اذا سمعوا الدق يقولون : بدأت مريم عملها من جديد.
لم ينتقل الهون وحيدا ،انتقلت معه الوصية : الصبر سر الايمان , والايمان سر العلاج.
حتى جاء يوم ،دخلت مريم بيتها ،رأت الهون يتوسط ثلاث ينتظرن دورهن .
نظرت إليه كثيرا ،وكأنه يحدثها ،وكأنها تأمن على كلامه .ثم نظرت إليهن بإتسامة رضا ،خبطت عليه ثلاثا وقالت :لم يعد الهون اقتناء، اصبح نسباً.
ومن يومها صار اسمه هون مريم.
لا يباع. لا يشترى ،لايهدى ،ولا يستعار إلا بشرط واحد ،ان تسلم له الرأس بما تحوى ،ويسلم له القلب بالصبر.
وهكذا دخل بكل بساطة كل البيوت ،لم يحافظ الهون على الشعر فقط ،بل حافظ على ما هو أغلى ،حكاية امرأة تعلمت وعلمت بناتها. فلم تمت حتى وان تنيحت.
كبرت مريم ،صار لها بيتا وأولاد، الهون لايزال فى ركن المطبخ ،أثقل وزنا ،وأغمق لونا ،كأن السنين تضيف إليه هيبة ،لا تنقصه.
فى ليلة شتاء باردة ،اجتمعت بنات الحي حوله , لم يأتين للعلاج هذه المرة. بل جئن ليسألن: يامريم إذا مت أنت فمن يعلمنا؟
قالت: الهون لا يعلم باللسان،انما يعلم باليد،فمن أرادت السر ،فلتجلس هنا على الحصير، ولتسمع صوت الدق لتحفظه أذنها قبل يديها .
تقدمت سارة ابنة الجيران التى شفيت على يد الجدة من عشر سنوات .
وضعت يدها فوق الهون. وبدأت تضرب , ضربة ..فاثنتين، فثلاثا,
وفى كل ضربة تهمس مريم : بالراحة يا سارة ،السر فى النفس الطويل .
مضت ليال والبنات يتبادلن الدق ،والهون يرد بصوت مكتوم ،كأنه يحفظ الأمانة .
حتى جاء يوم نسيمه هادىء كالربيع، وقفت مريم ،نظرت إلى الهون نظرة حزينة : يا هون سلمتك جدتي لي ،واليوم أسلمك للتى تأتي بعدى .
فاحفظ صوتك ،واحفظ سرك ،ولا تسلمه إلا لمن تغلب المرض بالصبر وتغلب الصبر بالإيمان ستة أشهر , اهتز اهتزازة خفيفة ،أو...... لعله صوت الريح فى باب المطبخ.