مساحة إعلانية
كل يوم يشبه الذي سبقه. لدى فتحية روتين متكرر: نفس الأعمال، نفس الوجوه، نفس الصباحيات التي تردد فيها "لا جديد تحت الشمس". لكن فتحية تعيش هذه الحقيقة المريرة: لا جديد في طريقها إليها، أو على الأقل هذا ما تشعر به.
تقول فتحية: "فاتني قطار الزواج"، بعد أن بلغت الأربعين من عمرها. وحتى لو تقدم أحد لخطبتها، فإنها ترفضه إما من باب الكبرياء، أو خوفاً من الشماتة. فهي كانت جميلة، بل جميلات. عاشت حياتها مدللة منذ صغرها، بجمال أخاذ أخذته من أجمل تفاصيل أبويها: عينان واسعتان من أمها "سوبن"، وفم ممتلئ، ووجه على شكل قلب، وجنتان عريضتان، وأنف مرسوم لا كبير ولا صغير.
وكأنها أدركت جمالها باكراً، فكانت تكره أن تتسخ ملابسها، ولقبوها "الأميرة". عندما تصل إلى منطقة اللعب، كانت تقف بين الأطفال كمراقبة، لا تلعب مع أقرانها خشية أن تتسخ أو تتعثر. كانت تشاهدهم في كامل أناقتها، ويعجب بها المارة، بل وتحسدها بعض الأمهات لأنها تعود إلى بيتها كما خرجت، بينما يحتاج أطفالهن إلى "أعجوبة" لتنظيفهم من الطين والغبار. كانت تستمتع فقط بالوقوف والمراقبة.
لكنها كانت طفلة صغيرة في جسد امرأة في الأربعين. عقلها وجسمها غير متساويين. لم تدرك فتحية أنها تجاوزت الأربعين منذ زمن طويل، وعاشت أكبر من عمرها لسنوات.
أبوها عبدالله كان يقول: "أنتِ ستتزوجين قبل وقتك"، وذلك لكثرة المعجبين بها، وما كان يصل إليه من طلبات خطبة وهي صغيرة. عبدالله لم يكن ينقصه شيء؛ فقد كان تاجراً يملك مخازن كثيرة، وتأتيه مراكب شهرياً مليئة بالبضاعة التي تنتهي فور وصولها. كان يتاجر بالأرز والسكر وزيت الطهي بأنواعه.
بدأ من الصفر، جاء إلى العاصمة جيبوتي يافعاً في الرابعة عشرة من عمره من البادية. كان لديه إخوة كثر أكبر منه، فخشي ألا يكون له مكان بين العائلة، وأن يستأثر إخوته بالمواشي. أراد أن يصنع شيئاً لنفسه، فجاء إلى خالته "حواء" في ضاحية "بلبلا" بعد استقلال جيبوتي. وجد عملاً عند دكان الحارة: يأكل وينام عند صاحب الدكان، ويعطيه في آخر الشهر 3500 فرنك جيبوتي، وهو مبلغ كبير حينها.
كان يقفل احتياجاته بإحكام، ويدخر كل مدخوله الشهري. وعندما يأتيه أهله من البادية، كان يبادرهم بالسؤال عن المال كي لا يطلبوا منه شيئاً، بل كان يطلب منهم أن يأتوا له ببعض الماشية ليبيعها. لقبوه "مقطوع اليدين" لشدة حرصه على المال. دخل جمعية مع زبائن الدكان والجيران، وخلال فترة قصيرة جمع مالاً كثيراً. ائتمنه صاحب الدكان على كل شيء، وكان سعيداً بخدمته، فزاد راتبه في السنة التالية إلى 5000 فرنك.
بعد فترة، دخل شراكة مع زوجته التي كانت تبيع "شجرة الغات". لم يتزوجا بعد، لكن كان بينهما وعد. أعطاها ما عنده من مال ليفتحا دكاناً خاصاً بهما، وتزوجا مع بداية الشراكة. استأجرا بيتاً من غرفتين: غرفة نومهما، والأخرى صارت دكانهما. هي تبيع في الدكان، وهو يذهب صباحاً إلى ميناء جيبوتي ليعمل حمالاً. وهكذا كوّن رأس مال كافياً حتى أصبح ما هو عليه الآن: تاجراً.
كان يطمع لابنته الجميلة – بشهادة الجميع – أن تعيش في قصر. عندما طلب جارهم سليمان يدها لابنه الأكبر، رفض عبدالله مبرراً أنه يريد إعطاء كل الحق لابنته لتختار من تريد، وقال: "هي ليست إلا طفلة، ولم نعد في البادية حيث تخطب البنات صغيرات". لم يشأ أن يختار لها عريساً، بل طمع لها بحظ أفضل من جاره.
أدخل عبدالله بناته الأربع إلى المدارس. فتحية كانت أكبرهن وأجملهن. وعندما بلغت سن الرشد، تقدم إليها عدة عرسان، لكنها كانت ترفض معللةً أنها تريد إكمال تعليمها. كان أبوها فخوراً بها، فهي تحقق ما لم يكن متاحاً له: المدرسة. لكن قلبها لم يدق لأحد، واعتقدت أنها تستحق أفضل مما يتقدم لها.
وهكذا وصلت إلى ما هي عليه الآن: وحيدة في بيت إيجار، لا يؤنس وحدتها أحد، ذبل جمالها وكبرياؤها خابت. هي من عملها إلى البيت، وحولها كثير من الطامعين.
فقررت أن تتبنى طفلةً صغيرةً لم تتجاوز الخامسة من مركز "ديريل". قالت: "لعلها تؤنس وحدتي، وأكون أنا لها داعماً وسنداً".